في مشهد عابر داخل مترو الأنفاق، جلست فتاة واضعةً رجلًا على رجل، في وضعية جلوس طبيعية لا تحمل إساءة ولا خرقًا للقانون. غير أن هذا المشهد البسيط تحوّل إلى أزمة مصطنعة حين قرر رجل مسن أن يتدخل، لا بإعتباره متضررًا، بل بإعتباره وصيًا على السلوك والأخلاق.
القضية هنا لا تتعلق بآداب الجلوس، وإنما بعقلية ترى أن من حقها محاسبة الآخرين على تفاصيل حياتهم الشخصية داخل الفضاء العام، لا سيما إذا كان الطرف الآخر امرأة. عقلية تخلط بين القيم الفردية وبين القواعد القانونية التي تنظم المرافق العامة، وتمنح نفسها سلطة أخلاقية لا سند لها من قانون أو منطق.
مترو الأنفاق مرفق عام تحكمه لوائح محددة: احترام النظام، وعدم الإضرار بالغير، والحفاظ على السلامة العامة. ولا توجد قاعدة قانونية واحدة تُجرِّم وضع رجل على رجل، أو تخوِّل أي راكب سلطة توبيخ أو محاسبة غيره. ومع ذلك، تتكرر هذه الوقائع في مشهد يعكس خللًا أعمق في فهم معنى الفضاء العام وحدود الحرية الشخصية.
الأخطر من الواقعة ذاتها هو تبرير هذا السلوك تحت دعاوى مثل “السن” أو “الغيرة على الأخلاق”. فالتقدم في العمر لا يمنح صاحبه حق الوصاية، ولا يرفعه فوق المحاسبة الاجتماعية. الاحترام الحقيقي لا يعني فرض الرأي أو مصادرة حرية الآخرين، بل إدراك أن لكل إنسان حقه الكامل في التصرف ما دام لا يعتدي على غيره.
إن اختزال مفهوم الأخلاق في طريقة جلوس فتاة هو إساءة للأخلاق قبل أن يكون إساءة لها. فالأخلاق لا تُقاس بوضعية الجسد، وإنما تُقاس بمدى احترام كرامة الإنسان، وبالقدرة على التعايش مع الاختلاف دون قمع أو تجريح أو ترهيب.
المجتمع الذي يتسامح مع الوصاية اليومية على أجساد النساء، سيتسامح لاحقًا مع الوصاية على آرائهن، ثم على أفكارهن، ثم على حريات الجميع. ومن هنا، فإن الدفاع عن حق فتاة في الجلوس كما تشاء هو دفاع عن مبدأ أصيل كفله الدستور والقانون، وهو الحق في الحرية الشخصية.
القضية ليست صراع أجيال، ولا عداءً للقيم، بل صراع بين من يؤمن بأن الفضاء العام ملك للجميع، وبين من يصر على تحويله إلى ساحة لمحاكمات أخلاقية. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة واضحة: لا أحد يملك حق الوصاية على جسد أو سلوك غيره ما دام لا يؤذي أحدًا.
الدكتور علي أيوب
المحامي بالنقض والإدارية العليا والدستورية العليا