في خطوة أثارت موجة من ردود الفعل الغاضبة، صرح وزير المالية الإسرائيلي المتطرف “بتسلئيل سموتريتش” بأن شعبة الاستيطان في أعلى مستويات جاهزيتها لبناء ثلاث مستوطنات في شمال قطاع غزة، وهي تصريحات تتزامن مع اجتماعات دبلوماسية مكثفة لبحث مستقبل وقف إطلاق النار في القطاع.
هل تسعى تل أبيب لاستئناف حرب غزة مجددا؟
وبينما يرى مراقبون في هذه التصريحات بالونات اختبار وورقة ضغط سياسية وانتخابية، فإن الواقع على الجانب الآخر من فلسطين، وتحديداً في الضفة الغربية، يشهد تطبيقاً قسرياً وميدانياً لآلة البطش الإسرائيلية التي تجمع بين التوسع الاستيطاني غير المسبوق، وحملات الاعتقال، والترهيب، والحصار الاقتصادي الخانق، ما يجعل المشهد الفلسطيني برمته أمام مواجهة مفتوحة مع مخططات التهجير وتغيير الأمر الواقع.
في هذا السياق، يقول الدكتور مخيمر أبو سعدة، المتخصص في الشأن الفلسطيني، في تصريحات لـ”القصة”، إن تصريحات سموتريتش ترتبط بشكل كبير بالحسابات الانتخابية في إسرائيل، فهو يحاول جمع أصوات اليمين المتطرف والمستوطنين في ظل تراجع شعبية حزبه. ويرى الدكتور مخيمر أنه من المستبعد أن يتحول هذا الإعلان إلى تطبيق على الأرض، مشيراً إلى وجود رفض أمريكي ودولي لهذه الفكرة، بالإضافة إلى تجربة الاستيطان التي انتهت عام 2005 بتفكيك المستوطنات.
ويؤكد أبو سعدة أنه إذا قررت إسرائيل في المستقبل بناء مستوطنات في غزة، فإن ذلك يتعارض، بلا شك، مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ويقول إن أي خطوة من هذا النوع ستكون غير قانونية وغير شرعية من منظور القانون الدولي.
ويعتقد مخيمر أن هذه التصريحات لن يكون لها أي تأثير مباشر على مفاوضات وقف إطلاق النار، لأن المفاوضات أو المباحثات تُجرى في ظل اعتداءات وعمليات عسكرية مستمرة. ويرى أن أي حديث عن تسوية سياسية شاملة لا يزال مؤجلاً، وأن الأهم الآن هو الترتيبات الأمنية وإعادة الإعمار قبل الانتقال إلى مسار سياسي أوسع.
ويشير إلى أن فكرة إعادة الاستيطان قد تزيد التوتر بين إسرائيل والدول العربية التي تربطها بها علاقات مشتركة، كما أن هذه الفكرة ستواجه رفضاً عالمياً واسعاً. لكنه يستبعد أيضاً أن يؤدي ذلك وحده إلى اندلاع مواجهات عسكرية جديدة في قطاع غزة، نظراً لظروف الفصائل الفلسطينية الحالية.
ويلخص الحديث عن إعادة الاستيطان في قطاع غزة بأنه يبدو أقرب إلى ورقة ضغط سياسية وانتخابية ودعائية منه إلى خطة حكومية يمكن تنفيذها، ويقول إن الاستيطان في قطاع غزة أثبت فشله سابقاً، وحسب تقديره فإنه لا يحظى بدعم أو بإجماع داخل المجتمع الإسرائيلي.
وعلى الجانب الآخر من فلسطين، في الضفة الغربية، تتزايد أعمال عنف المستوطنين واقتحامات جيش الاحتلال للمدن والقرى، وصولاً إلى بناء المستوطنات والاعتقالات العشوائية.
وفي هذا السياق، أكد صحفي ميداني في الضفة الغربية، لـ”القصة”، أن الحياة هناك تغيرت كلياً منذ بدء الحرب على غزة، وأن الاحتلال يغلق آلاف الطرق ويشدد القيود على حركة الفلسطينيين، كما يمنع آلاف العمال من الوصول إلى مقار عملهم، وهو ما أدى إلى حصار اقتصادي. وذكر الصحفي أيضاً توسع الاستيطان بشكل غير مسبوق، بالتزامن مع تصاعد هجمات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، بالأخص ضد المزارعين. ويقول إن تلك الممارسات مجتمعة تدفع الفلسطينيين إلى التفكير في المغادرة وترك مناطقهم بحثاً عن الاستقرار.
ويرى الصحفي أن هناك نمطاً واضحاً يجمع بين زيادة الاعتقالات، وتوسيع الاستيطان، وإغلاق الطرق والقرى بشكل مستمر، وهو ما يقيد حركة الفلسطينيين، بالإضافة إلى ارتفاع معدل اعتداءات المستوطنين مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، الأمر الذي يزيد من عدد القتلى، بما فيهم الأطفال. كما ذكر اقتحامات المنازل المتكررة، وتخريب محتوياتها، وسرقة الأموال أثناء عمليات التفتيش.
ويقول الصحفي إن الصحفيين أيضاً يتعرضون لانتهاكات، مثل الضرب والاعتقال، وهو ما أدى إلى تراجع القدرة على العمل الميداني، فضلاً عن الخشية من الاعتقال بسبب النشر. وكل تلك الممارسات يتعرض لها الصحفيون في الضفة الغربية.
في النهاية، فإن الحال في الضفة الغربية لا يختلف عما هو عليه في غزة. فآلة البطش الإسرائيلية تعتقل، وتحاصر، وتقتل، وتهجر، كما تفعل في غزة. لكن السؤال هنا: إلى متى يستمر هذا الوضع؟