على شاشة قناة “تن” وقف الإعلامي نشأت الديهي يتحدث بشكل غير معتاد عن ضغوط أسرية قد تدفعه للاعتزال، ملمحاً إلى احتمال اختفائه عن الشاشة في أي لحظة.
لم تكن المداخلة مجرد “فضفضة” من مذيع قريب من دوائر السلطة، بل بدت في الدوائر الصحفية والإعلامية مؤشراً مبكراً على مرحلة كاملة ربما تنتهي قريبًا، بعد أن أدى فيها الإعلام دوراً محدداً، وظل الصوت الواحد هو المتحكم في المشهد بأكمله.
الأنباء المتواترة تشير إلى صعود وجوه واختفاء أخرى من الشاشات، وفي صحف الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.
في قراءته للتغيير المرتقب، يقطع الكاتب الصحفي يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، التكهنات بأهمية التركيز على الجوهر لا الشكل، مؤكداً ل “القصة” أن “الإعلام يحتاج بالأساس إلى حرية كي تكون هناك صناعة حقيقية تؤدي رسالتها وتلعب دورها كقوة ناعمة، مضيفًا: “لا يمكن لجيش مكبل أن يقاتل”.
ويلفت قلاش إلى أن التحول الحقيقي يتطلب قبل كل شيء إرادة سياسية وتغييراً لقناعة خاطئة استمرت طوال سنوات مضت بأن “الإعلام الحر هو المشكلة وليس الحل”.
وتتفق معه الكاتبة الصحفية حنان فكري، عضو مجلس نقابة الصحفيين الأسبق، مؤكدة ل “القصة” أن أي حديث عن تطوير المشهد أو إعادة هيكلته يظل بلا معنى دون توفير ضمانات حقيقية وملموسة لممارسة المهنة، وفي مقدمتها المناخ العام الداعم للحرية، مشددة على أن الحكومة مطالبة بتقديم هذه الضمانات كخطوة أولى وأساسية لاستعادة عافية الصحافة.
مشهد نشأت الديهي الذي بدا غير مسبوق لا ينفصل عن الهمس المتزايد داخل أروقة “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، الكيان الذي يهيمن على الحصة الأكبر من المشهد التلفزيوني عبر شبكات أون والحياة ودي إم سي وسي بي سي والقطاع الإخباري بقنوات القاهرة الإخبارية، وإكسترا نيوز، فضلًا عن الصحافة الرقمية والمطبوعة كمواقع اليوم السابع والوطن والدستور وصوت الأمة وغيرهم، فبداخل هذه المؤسسة وبحسب الأنباء المتواترة، تجهز خطط لتصعيد أجيال الوسط والشباب إلى مواقع المسؤولية، وذلك بعد تولي إدارة جديدة للشركة منذ أيام، في محاولة لمخاطبة المواطنين بلهجة مختلفة بعد أن جرفتهم شبكات التواصل الاجتماعي بعيداً عن الشاشات التقليدية.
تتزامن هذه التحركات مع بيان وزارة الدولة للإعلام وإعلانها الأخيرة بشأن تنظيم عمل المتحدثين الرسميين والمستشارين الإعلاميين بالوزارات لضمان تدفق البيانات والإسراع بإصدار قانون حرية تداول المعلومات، وصولاً إلى دعوة الوزارة لعقد مؤتمر موسع لتطوير الإعلام في ديسمبر المقبل تنفيذاً لتوجيهات رئاسية.
لكن التساؤل الذي يتردد بين أروقة الوسط الصحفي يبقى: هل نشهد تغييراً جديًا أم مجرد تبديل في الوجوه وتحديث لنبرة الخطاب؟
ويستمد التساؤل مشروعيته من الواقع الصعب الذي تعيشه المهنة، حيث تصنف منظمة “مراسلون بلا حدود مصر في المرتبة 170 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي، بينما توثق تقارير لجنة حماية الصحفيين أزمات ترتبط بتمركز ملكية وسائل الإعلام وتضاؤل التعددية فضلًا عن القيود التشريعية، واستمرار حجب عدد من المواقع المستقلة.
فما الذي ينبغي أن يطرحه أي مؤتمر مرتقب بشأن الملفات الشائكة الحاكمة للمشهد؟ بدءاً من رفع سقف الحريات، وتعديل القوانين المقيدة للنشر، وصولاً إلى فتح ملف الصحفيين المحبوسين، وتحسين الظروف المعيشية والأجور لمهنيين طالتهم أزمات كبرى.
وهنا يعود يحيى قلاش ليعبر عن حذره الشديد من المراهنة على الفعاليات الشكلية، قائلاً: أتمنى أن يخيب ظني ويعكس التغيير خطوة للأمام، لكن الرهان أصبح في ظني محل شك بعد أن خسرنا رهان الحوار الوطني وذهبت نتائجه أدراج الرياح، وكذا منذ تشكيل لجنة الـ 67 صحفياً وإعلامياً التي رفعت توصياتها لأعلى المستويات دون أثر، مروراً بالمؤتمر العام السادس للصحفيين، لنسمع الآن عن مؤتمر سنوي لا نعرف هدفه، وهل سيقوم بتشخيص المُشخّص أصلًا؟
ويشدد نقيب الصحفيين الأسبق على أنه قبل عقد المؤتمرات يجب تقديم أفعال تبرهن على احترام الجهود السابقة، بدلاً من الدوران في “حركة على الطريق الدائري تنطلق من نقطة ثم تنتهي إليها نفسها مع ثبات المشهد والفعل والحفاظ على نفس الوجوه”.
وحول ما إذا كانت الاستعانة بالوجوه الجديدة ستعتمد حصرياً على تدوير الكوادر الداخلية لـ “الشركة المتحدة” أم أنه سيفتح الباب لاستقطاب كفاءات من خارج المنظومة. وبدون تفكيك احتكار سوق الإعلانات وإتاحة التنافسية، يرى قلاش أن غياب البيئة المفتوحة جعل “كثيراً من الإعلاميين والصحفيين المقدرين مهنياً إما جلسوا في بيوتهم، أو هاجروا، أو تسللوا إلى برامج آمنة وحذرة يعملون فيها بشروط غير مضمونة، بعدما أصبحت هموم المواطن وإتاحة المعلومات وإيصال صوت الرأي العام خارج الحساب والمعيار”.
هذا التراجع في دور الصحافة التقليدية تراه حنان فكري انعكاساً لمسار امتد عبر السنوات العشر الأخيرة، حيث تسبب الحصار والتضييق في تراجع التأثير الصحفي لصالح وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى المنصة الأكثر فاعلية؛ حيث أصبح المواطنون يناشدون الوزارات والمسؤولين عبرها للحصول على ردود أفعال، بعدما فقدت وسائل الإعلام المكتومة قدرتها على الجذب والتأثير.
وتضيف فكري لـ “القصة” أن هذا المناخ الضاغط أنتج على مدار العقد الماضي “رقيباً ذاتياً” داخل كل صحفي ومؤسسة، يتولى كبح الأقلام ومنع النشر تلقائياً قبل أن تصل الضغوط من الخارج.
وأكدت أن التخلص من هذا الرقيب الذاتي لن يحدث بتغيير الوجوه أو عقد المؤتمرات فقط، بل يقتضي خلق أجواء ومناخ مختلف كلياً يضمن للصحفي ألا يدفع ثمن كلمته، وتوافر إرادة حقيقية وإزالة للتضييقات التي تمارسها بعض الأطراف من حصار وتشويه.
وترى فكري أن المسؤولية اليوم تقع بالأساس على عاتق من تسببوا في هذه الأزمة للبدء في حلها، عبر إنجاز مصالحة حقيقية بين من عزفوا عن العمل العام والمهني وبين الواقع الجديد المُقبل، وتقديم ضمانات صريحة من القائمين على الدعوة للمؤتمر والمنادين بتغيير الوجوه واستدعاء أصحاب الكفاءات من جديد.
وتختتم تصريحاتها بالتساؤل: في ظل تصريحات رئيس الجمهورية حول احترام الرأي والرأي الآخر وفتح الأبواب أمام الإعلام والاستماع إليه، هل ستتوفر ضمانات حقيقية تجعل الناس يثقون في وجود من يستمع إليهم بحرية إن هم تحدثوا وعملوا؟