في تطور لافت على صعيد التصعيد الإقليمي والخطاب العسكري، ألقت تقارير نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” الضوء على تلويح مسؤولين إيرانيين باحتمال تنفيذ توغلات برية في دول مجاورة في حال تجدد المواجهة العسكرية الشاملة، وهو الطرح الذي أثار موجة من التساؤلات الاستراتيجية حول دلالات هذه التهديدات ومدى واقعيتها من الناحية العسكرية والميدانية، وانعكاساتها المباشرة على منظومة أمن الخليج واستقرار المنطقة.
وتأتي هذه التسريبات والتلويحات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة واختبارات حقيقية لخطوط الردع، مما يضع المراقبين أمام إشكالية الفصل بين الرسائل السياسية الموجهة لخصوم طهران وبين القدرات اللوجستية والعملياتية الفعلية لتنفيذ مثل هذه التهديدات خارج الحدود الإيرانية.
التهديدات تعزز الردع السياسي ولا توجد مؤشرات ميدانية لتنفيذها
وفي قراءة تحليلية دقيقة لواقع هذه التهديدات وخلفياتها العسكرية والسياسية، قال علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني، في تصريحات خاصة لـ “القصة”، إن ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال” بشأن تلويح مسؤولين إيرانيين بتنفيذ توغلات برية في دول مجاورة حال تجدد الحرب، يمكن فهمه في إطار محاولة طهران تعزيز قدرتها على الردع وإيصال رسالة واضحة إلى واشنطن بأن أي مواجهة جديدة قد تتجاوز تداعياتها الحدود الإيرانية.
وأوضح السعيد أنه من المهم التمييز بدقة بين التهديد الذي يستهدف التأثير في حسابات الخصوم وبين امتلاك القدرة العسكرية الفعلية على تنفيذه؛ مبيناً أن إيران تمتلك قوات برية كبيرة من حيث العدد، لكن حجم القوات وحده لا يكفي للحكم على قدرتها على تنفيذ عمليات هجومية خارج الحدود.
وأشار خبير الشأن الإيراني إلى أن مثل هذه العمليات تحتاج إلى تفوق جوي، وخطوط إمداد آمنة، وققدرة على الاحتفاظ بالأراضي، وهي متطلبات يصعب توفيرها في مواجهة جيوش نظامية تتمتع بتسليح حديث، فضلاً عن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ولذلك فإن الحديث عن اجتياحات برية واسعة يبدو أقرب إلى التهديد السياسي منه إلى خيار عسكري يسهل تنفيذه.
الوضع الخاص بالعراق ودول الخليج
وحول الوضع الميداني والجغرافي الخاص بالعراق، أوضح السعيد أن العراق له وضع مختلف بحكم الحدود البرية الطويلة مع إيران، والتداخل الأمني والسياسي بين البلدين، ووجود جماعات مسلحة تربط بعضها علاقات بطهران؛ وهي عوامل قد تجعل الأراضي العراقية أكثر تأثراً بأي تصعيد إيراني، سواء عبر تحركات حدودية محدودة أو من خلال نشاط بعض الجماعات المسلحة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود نية إيرانية لتنفيذ توغل بري داخل العراق.
أما بالنسبة لدول الخليج، فلفت الخبير الإيراني إلى أن طبيعة المخاطر تختلف نظراً لعدم امتلاك إيران حدوداً برية مباشرة مع أي من دول مجلس التعاون الخليجي، مما يجعل الحديث عن توغلات برية فيها أكثر تعقيداً من الناحية العسكرية والجغرافية. وأضاف أن السعودية قد تكون أكثر تأثراً من زاوية التهديدات التي تتعلق بالمنشآت النفطية، بينما تبرز المخاطر المرتبطة بالقواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية في الكويت والبحرين وقطر والإمارات، مع الإشارة إلى عدم وجود تفاصيل كافية في المعلومات المنشورة تسمح بتحديد دول بعينها باعتبارها أهدافا مؤكدة لهذه التهديدات.
التفريق بين التلويح والاستعداد الفعلي
وشدد السعيد على أهمية التفرقة بين التلويح بعملية عسكرية والاستعداد الفعلي لتنفيذها؛ فالأخير يتطلب مؤشرات ميدانية واضحة، مثل حشد القوات قرب الحدود، وتحريك المعدات الثقيلة، وتجهيز خطوط الإمداد، وتغيير أنماط الانتشار العسكري، بينما التصريحات والتهديدات وحدها لا تكفي للاستنتاج بأن قراراً عسكرياً قد اتخذ.
وفيما يتعلق بأمن الخليج، أكد الخبير أن المخاطر الأكثر واقعية ترتبط باحتمالات التصعيد الصاروخي أو استخدام المسيّرات ضد منشآت اقتصادية أو مواقع عسكرية، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب في أسواق الطاقة والملاحة البحرية، غير أن استهداف القوات الأمريكية أو المنشآت النفطية الخليجية قد يفتح الباب أمام ردود عسكرية أوسع، وهو ما يضاعف تكلفة التصعيد على إيران نفسها.
واختتم علاء السعيد حديثه بالتأكيد على أن هذه التهديدات تعكس محاولة إيرانية لرفع تكلفة أي حرب جديدة على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليمين، أكثر مما تعكس استعداداً مؤكداً لخوض عمليات برية واسعة، مشدداً على أن الحكم على جديتها يظل مرتبطاً بما قد يظهر من تحركات عسكرية فعلية، وليس بحجم التصريحات الصادرة عن طهران.