غالباً ما يرتبط الحديث عن الحركة النسوية المصرية باعتبارها عنصراً خارجياً عن المجتمع. وممثلاً لتيارٍ وافدٍ يدعو إلى أفكارٍ تغترب عن عادات المجتمع وتقاليده وتهدم استقراره. إلا أن المتتبع لتاريخ الحركة النسوية المصرية يجد أنها صعدت من رحم المجتمع بالتزامن مع صعود الحركة الاجتماعية وتشكلها في أواخر القرن التاسع عشر. إذ تبلورت عبر مطالب الحق في التعليم الأساسي، والمطالبة بفك عزلة النساء ومشاركتهن في الحياة السياسية، وصولاً إلى احتجاجات 1919 في مواجهة الاحتلال الإنجليزي، وهي البداية الفعلية للموجة الأولى للحركة النسوية التي انتزعت بعض الانتصارات للمجتمع المصري ككل.
هذا الصعود القوي والمباغت شكل حركة اجتماعية ارتسمت ملامحها وتبلور خطابها السياسي لصالح المرأة المصرية في الطبقة الوسطى، حيث اهتمت بالحقوق السياسية والاجتماعية، مما جعل هذه الحقبة الفترة الأهم في تاريخ الحركة النسوية المصرية.
ويظهر هذا التبلور في التنوع الشديد داخل التيارات النسوية نفسها؛ فبينما اتفقت كلٌ من هدى شعراوي ودرية شفيق حول المطالب الأساسية للمرأة المصرية — كالمساواة مع الرجال في حق الانتخاب والترشح، والحق في التعليم العالي للفتيات، وولوج كافة المهن، فضلاً عن مطالب الأحوال الشخصية المتمثلة في تقييد تعدد الزوجات، ووضع شروط عادلة للطلاق، ورفع سن زواج الفتيات إلى 16 سنة (وهي ذاتها مطالب الحركة النسوية في وقتنا الحاضر) — بالإضافة إلى اعتمادهما على التحالف مع الحركات الدولية وتأسيس منصات صحفية لنشر الأفكار والوعي بحقوق النساء؛ إلا أن اختلاف الخلفية الطبقية لكلتيهما أثر بشكل جلي على رؤيتهما السياسية.
فبينما انتهجت هدى شعراوي الاتجاه الليبرالي الوطني المحور حول التحرر من الاستعمار — معتمدةً على آليات إصلاحية متمثلة في الخطابات الرسمية والدبلوماسية لتأسيس جمعيات طوعية وفقاً للقانون المصري — مثلت درية شفيق الليبرالية الراديكالية؛ حيث انتهجت آليات النضال الميداني كتنظيم المظاهرات، واقتحام البرلمان للمطالبة بإقرار حقوق النساء في الدستور، والإضراب عن الطعام، مما أسفر عن صدور دستور 1956 متضمناً حق النساء في الانتخاب، فضلاً عن تركيزها على العمل الجماهيري عبر محو أمية النساء وتأسيس مكاتب لتشغيلهن وتمكينهن اقتصادياً واجتماعياً.
ثم جاءت الموجة الثانية في ظل حصار فرضته الدولة على المؤسسات النسوية واحتوائها داخل الجهاز الإداري وتفكيك الجمعيات المستقلة، فاتسمت الحركة حينها بـ “النسوية الاشتراكية”، وتبنت مطالب اجتماعية مثل: المساواة في الأجور، توفير دور رعاية لأطفال العاملات (الحضانات)، وإجازة الوضع والأمومة المدفوعة الأجر. وخلال هذه الفترة، اكتسبت النساء حقوقاً دستورية إضافية، ودخلت المرأة الجهاز الإداري للدولة بشكل أوسع، وشهدت مصر تعيين أول وزيرة، وصولاً بالمرأة إلى مقاعد البرلمان.
ومع أوائل السبعينيات، بدأت الموجة الثالثة تزامناً مع سياسات الانفتاح الاقتصادي، ولجوء الدولة إلى دعم التيار الديني الذي بدأ متحفزاً لمهاجمة المرأة؛ مما أضفى على الحركة النسوية صبغة “الدفاع عن الحقوق الأصيلة والمكتسبة قانوناً” عبر مؤسساتها، ومنها على سبيل المثال: “جمعية تضامن المرأة العربية” التي أسستها نوال السعداوي (والتي مثلت النسوية الراديكالية بكل قوتها)، و”المركز المصري لحقوق المرأة”. واستمرت تلك الصحوة عبر طليعة نسوية في الجامعات، المصانع، النقابات، والأحزاب، وأسفرت عن مكاسب تشريعية هامة مثل: إقرار قانون الخلع، الحصول على حق المرأة في السفر دون إذن زوجها، وحق أبناء الأم المصرية في اكتساب جنسيتها، فضلاً عن مواجهة العنف ضد المرأة الذي توج بتجريم ختان الإناث.
ثم جاءت ثورة يناير 2011 بمشاركة فاعلة من النساء، كجزء لا يتجزأ من الحركات، المبادرات، الروابط، والنقابات ضمن مجتمع بأكمله انتفض وكانت النساء في قلبه؛ لتبدأ بذلك الموجة النسوية الرابعة المستمرة حتى يومنا هذا. وفيها تطورت آليات الحركة النسوية لتكتسح الفضاء الإلكتروني وتتخذ طابعاً “غير مركزي”، فتأسست الروابط والمبادرات الشبابية، ودخلت رموز الحركة في مختلف الأحزاب السياسية.