بينما تستمر الحرب السودانية دون حسم عسكري واضح، تتجه الأنظار إلى مشروع قانون عقوبات جديد وافقت عليه لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، في محاولة للضغط على أطراف الصراع ودفعها نحو تسوية سياسية. ويُلزم المشروع الإدارة الأمريكية بتحديد الكيانات المرتبطة بجرائم الإبادة الجماعية وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، كما يفتح الباب أمام فرض عقوبات ومصادرة أصول تستهدف قادة الجيش وقوات الدعم السريع وعائلاتهم، مع مهلة 90 يومًا لوضع استراتيجية أمريكية واضحة تجاه الأزمة.
غير أن فعالية هذه العقوبات تظل محل تساؤل، خاصة في ظل تجارب سابقة لم تنجح فيها الإجراءات الأمريكية والدولية في تغيير مسار الأحداث داخل السودان.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي السوداني ورئيس تحرير موقع “ترياق نيوز”، عبد الباقي جبارة، أن العقوبات الأمريكية المرتبطة بالأزمات السودانية المتعاقبة لم تحقق تاريخيًا تأثيرًا مباشرًا على مسار الصراعات، موضحًا أن العديد من القرارات والتصنيفات السابقة استهدفت أفرادًا وكيانات مختلفة دون أن تؤدي إلى نتائج حاسمة على الأرض.
وأشار جبارة في حديثه لموقع القصة إلى أن تصنيف الكيانات أو الجماعات قد يواجه محاولات للالتفاف عليه، لافتًا إلى أن قوات الدعم السريع تحركت مبكرًا لمواجهة مثل هذه السيناريوهات من خلال الانخراط في “مجموعة تأسيس” التي تضم حركات كفاح مسلح وأحزابًا سياسية وشخصيات عامة، من بينها حركة عبد العزيز الحلو والطاهر حجر والهادي إدريس، إلى جانب الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة محمد عصمت وحزب الأمة بقيادة فضل الله ناصر.
وأضاف أن الدعم السريع لا يكتفي بالتحرك السياسي، بل يسعى كذلك إلى ترسيخ وجوده في المناطق الخاضعة لسيطرته عبر الإشراف على امتحانات الشهادة السودانية وتقديم خدمات تعليمية وصحية وعقد مؤتمرات أهلية، في محاولة لبناء حاضنة اجتماعية داعمة له.
ورغم تشكيكه في قدرة التصنيفات الأمريكية وحدها على إحداث تغيير مباشر، يعتقد جبارة أن مشروع القانون الجديد يُعد من أخطر المبادرات المطروحة خلال الفترة الأخيرة، نظرًا لما يتضمنه من آليات متابعة وضغط دولي، موضحًا أن المهلة المحددة بـ90 يومًا تمنح المشروع طابعًا عمليًا يتجاوز حدود المواقف السياسية التقليدية.
وأكد أن القانون يستهدف طرفي الصراع، لكنه يضع في الوقت نفسه ضغوطًا كبيرة على الجيش السوداني والحكومة القائمة، خاصة مع إلزام الممثل الأمريكي في الأمم المتحدة والجهات المعنية بتفعيل أدوات القانون الدولي، وهو ما قد يدفع الأطراف المتحاربة إلى البحث عن تسوية أكثر جدية.
ويأتي ذلك في وقت يرى فيه جبارة أن موازين القوى داخل السودان وصلت إلى ما وصفه بـ”توازن الضعف”، حيث لم يعد أي من طرفي الصراع قادرًا على تحقيق حسم عسكري نهائي، في ظل أزمات اقتصادية متفاقمة وصعوبات متزايدة في الإمداد اللوجستي وتراجع القدرة على مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها التي بدأت بها.
وأوضح أن التقدم الميداني الذي تحققه بعض الأطراف من حين لآخر لا يغير من المعادلة الأساسية للصراع، إذ سرعان ما تصطدم تلك المكاسب بعقبات تمنع تحويلها إلى انتصار حاسم، ما يجعل استمرار الحرب استنزافًا مفتوحًا للجميع.
واختتم جبارة حديثه بالتأكيد على أن الأوضاع الاقتصادية والصحية والتعليمية في السودان وصلت إلى مستويات كارثية، معتبرًا أن فرص الحل الداخلي أصبحت محدودة، وأن البلاد باتت بحاجة إلى وساطة خارجية تمتلك أدوات فعالة وقادرة على ضمان تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه على الأرض، مشددًا على أن استمرار الحرب لم يعد في مصلحة أي طرف من أطرافها.