تعيش عائلات سجناء الرأي معاناة كبيرة، حيث ألم الظلم، ومرارة الانتظار، وعشرات المواقف التي لا تُنسى. تختلف حياتهم كثيرا عن تلك الحياة الطبيعية التي يحياها غيرهم. فاختطاف السجن أحبابهم فرض عليهم أسلوبا مختلفا للمعيشة، تغلب عليه المشاعر المعلقة بالغائبين خلف أسوار السجون. أمهات يفتقدن أبناءهن، وزوجات ينتظرن أزواجهن، وأشقاء بددت الوحشة حياتهم، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم. تدور حياتهم جميعا في فلك الانتظار والاستعداد للزيارة، ثم العودة منها إلى انتظار جديد.
حتى تلك الزيارة لا تخلو من الألم. فأمام بوابات السجون يقف العشرات، طوابير تصطف، ومجموعات تلتف حول بعضها، الجميع ينتظر لحظة بذلوا الكثير من أجلها، البعض يجلس في ساحة السجن، والبعض الآخر في الشارع أمام الباب، كلٌ ينتظر دوره، حيث لقاء الغائبين الذين يفقدون أعمارهم وتموت أحلامهم أو تتأجل لأجل غير مسمى، دون سبب يذكر.
كل فرد من أهالي سجناء الرأي يحمل ذكرى لا تنسى، أو موقفا إنسانيا خرج من رحم المعاناة التي يقبعون فيها. “القصة” ينقل لكم بعض من تلك المواقف التي تركت أثرا في النفوس، من خمس أُسر من أهالي السجناء. ما بين تجارب البُعد، وبين ثنائية الانتظار والزيارة. حيث يفتح الأهل قلوبهم، للتنفيس عن بعض ما يشعرون به من جراء تلك التجارب، ومن الانتظار المرير الذي لا يعلم أي منهم متى ينتهي، ليتحقق حلمهم في حياة – فقط – كالحياة.
زوجة محمد عادل.. عناق مستحيل!
تروي رفيدة حمدي، زوجة الناشط محمد عادل، عن واحد من المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتها خلال سنوات سجنه، قائلة إن فترة سجنه التي امتدت لنحو 12 عامًا ونصف كانت مليئة بالمواقف الصعبة، إلا أن أحدها كان في أواخر عام 2021 أو بداية 2022، حينما كان محمد في سجن المنصورة العمومي، عقب استئناف الزيارات بعد جائحة كورونا.
تقول رفيدة لـ “القصة” إن الزيارات في ذلك الوقت كانت تتم من خلف السلك، ولم يكن مسموحًا للأسرة بالجلوس مع محمد. “في إحدى الزيارات طلب من إدارة السجن أن يسمح له بالسلام عليها، فوافقوا، وتمكنا من السلام على بعضهما والعناق.
وتضيف أن إدارة السجن اعترضت على الأمر، وتحدثت مع محمد بشأن عدم جواز عناقه لزوجته. وبعد عدة زيارات، طلب محمد مرة أخرى أن يسلّم عليها، وبعدما أجرت إدارة السجن ما وصفته رفيدة بـ”المباحثات اللي بيعملوها مع بعض”، أخبروهما بأنه مسموح لهما بالسلام، ولكن “بالإيد من غير حضن”. وتؤكد رفيدة أن هذا الموقف كان سيء الأثر عليها، وحتى اليوم لا تزال تشعر بالضيق كلما تذكرته، رغم مرور نحو أربع أو خمس سنوات عليه.
وعن أكثر ما تفتقده في غياب محمد، تقول رفيدة: “محمد نفسه”، مضيفة أنها تفتقد أيضًا أن تعيش حياة مستقرة وعادية، تشبه حياة الناس، بعيدًا عن التفكير المستمر في الزيارات والقلق عليه والتفكير فيما يمكن أن يدخل معه إلى السجن وما لا يمكن.
كما تروي أن حتى ظروفها الصحية أصبحت مرتبطة بالزيارة، قائلة إنها أجرت عملية ولم تتمكن من الذهاب إلى الزيارة السابقة، لكنها كانت مضطرة للذهاب إلى الزيارة التالية حتى يطمئن محمد عليها.
وتختصر رفيدة أمنيتها في الوقت الحالي في أن يخرج محمد من السجن، وتقول: “كفابة كدة جدا. لو تم احتساب فترة الحبس الاحتياطي ضمن مدة العقوبة، لكان من المفترض أن يخرج عادل في بداية فبراير 2025”. وتتابع: “هو عيب أوي كده، يعني ما يصحش فعلاً”.