في نهاية ترعة المخادمة أبو دياب بمركز دشنا شمال محافظة قنا، لا تصل المياه إلا نادرًا، بينما يصل القلق يوميًا إلى آلاف المزارعين الذين باتوا يخشون خسارة أراضيهم ومحاصيلهم بسبب أزمة عطش ممتدة منذ سنوات تفاقمت بصورة غير مسبوقة هذا العام، لكون الفلاحين في قرية أبو دياب شرق يقفون أمام أراض متشققة ومحاصيل تذبل تدريجيًا بعدما تحولت الترعة التي كانت شريان الحياة الرئيسي للزراعة إلى مجرى شبه جاف تنقطع عنه المياه لأسابيع متواصلة في وقت تعتمد فيه آلاف الأفدنة بالكامل على هذه الترعة في الري، إذْ إنَّ الأزمة لا تخص قرية واحدة فقط، فالترعة تغذي أكثر من 35 ألف فدان تمر على عدة قرى، تبدأ من أولاد سرور، مرورًا بالشيخ عيسى والشويخات والغوصة، وصولًا إلى أبو دياب شرق، التي تعد الأكثر تضررًا باعتبارها تقع في نهاية المجرى المائي.
أبو دياب شرق.. الأكثر تضررًا وستة آلاف فدان مهددة
بحسب الأهالي تعتمد أكثر من 6 آلاف فدان داخل قرية أبو دياب شرق وحدها على مياه هذه الترعة، لكن المياه باتت تصل بصورة متقطعة وغير منتظمة، إذْ تفتح الترعة يومين فقط ثم تنقطع تمامًا لمدة تصل إلى 25 أو 30 يومًا متواصلة، لكون المزارعين يؤكدون أنَّ الأزمة تتكرر منذ عامين أو ثلاثة أعوام، لكنها هذا الموسم أصبحت كارثية مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة احتياج المحاصيل للمياه، خاصة القصب والذرة والسمسم، وهي الزراعات الرئيسية في المنطقة، ومن ثَمَّ يقول عدد من الأهالي إنَّ الأراضي الواقعة بنهاية الترعة أصبحت لا تحصل على الحد الأدنى من المياه اللازم لاستمرار المحاصيل، مما تسبب في تلف مساحات واسعة بالفعل، بينما أصبحت مساحات أخرى مهددة بالبوار الكامل إذا استمرت الأزمة خلال الأشهر المقبلة.
تقليص الزراعة.. معاناة الفلاحين بين الديون المتراكمة وجفاف الأراضي
داخل أرضه الزراعية يقف المزارع ممدوح حمدي متأملًا مساحات واسعة تركها هذا العام دون زراعة، لكون الرجل الذي يمتلك نحو 90 فدانًا اضطر بحسب قوله إلى زراعة 40 فدانًا فقط، بينما ترك 50 فدانًا بوارًا بسبب غياب المياه الكامل، إذْ يقول ممدوح إنَّ الزراعة تحولت إلى مغامرة خاسرة في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة والتقاوي والعمالة مقابل غياب المياه التي تمثل أساس العملية الزراعية، ومضيفًا أنَّ المياه تأتي يومين وبعدها تجف الترعة بالكامل تقريبًا لمدة شهر مما يجعل الأرض تموت أمامهم، لاسيما وأنَّ معاناة ممدوح لا تختلف عن عشرات المزارعين الآخرين الذين اضطر بعضهم لتقليص المساحات المزروعة، بينما فضل آخرون عدم الزراعة من الأساس خوفًا من خسائر أكبر في نهاية الموسم، ومن ثَمَّ يقول الأهالي إنَّ كثيرًا من الأسر الزراعية أصبحت تعتمد على الاستدانة لتغطية نفقات الزراعة في وقت تتراجع فيه فرص تحقيق أي عائد حقيقي من المحاصيل.
غياب التطهير والسدود العشوائية.. أبرز الأسباب الفنية للأزمة
انعكست الأزمة بصورة مباشرة على محصول القصب الذي يمثل أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في مركز دشنا سواء للمزارعين أو لمصنع سكر دشنا الذي يعتمد على توريد القصب من هذه المناطق، لكون إنتاجية فدان القصب تراجعت هذا العام بصورة حادة بناء على شهادات المزارعين، بعدما كانت تتراوح بين 40 و45 طنًا للفدان الواحد لتصل حاليًا إلى نحو 20 طنًا فقط في بعض الأراضي المتضررة، إذْ يحذر الأهالي من أنَّ استمرار أزمة المياه سيدفع كثيرًا من المزارعين إلى التوقف عن زراعة القصب خلال المواسم المقبلة، خاصة مع ارتفاع التكلفة وضعف العائد، ومن ثَمَّ يؤكد مزارعون أنَّ أكثر من ألف فدان مهددة بالخروج من زراعة القصب بالكامل في هذه المنطقة، وهو ما يعني خسارة تتجاوز 30 ألف طن قصب سنويًا، فضلًا عن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالمصنع والعمالة الزراعية المرتبطة بالمحصول.
خطر صناعي.. إدارة مصنع سكر دشنا تتدخل لإنقاذ المحصول
ومع تصاعد الأزمة لجأ عدد من المزارعين إلى إدارة مصنع سكر دشنا مطالبين بالتدخل لدى أجهزة الري لإنقاذ المحاصيل المهددة بالعطش، لكون إدارة المصنع ناشدت مسؤولي وزارة الري في قنا للتدخل العاجل بحسب الأهالي، محذرة من خسارة مساحات تصل إلى 2000 فدان من محصول القصب بسبب شح المياه، لكن دون حدوث تغيير ملموس حتى الآن، إذْ يقول المزارعون إنَّ الأزمة لم تعد تخص الفلاح وحده بل تهدد دورة اقتصادية كاملة تعتمد على استمرار زراعة القصب في المنطقة.
أسباب فنية.. غياب التطهير وبناء السدود العشوائية يفاقم الأزمة
يرى المزارع مصطفى محمد مصطفى أنَّ الأزمة لا ترتبط فقط بضعف ضخ المياه وإنما أيضًا بغياب أعمال التطهير والصيانة الدورية للترعة، لكونه يقول إنَّ الترعة تحتاج إلى ضبط منسوب بطول مسارها بالكامل لأن عمقها يكون كبيرًا في القرى الأولى التي تمر بها، بينما يرتفع المنسوب تدريجيًا في نهايتها وهو ما يمنع وصول المياه بصورة كافية إلى الأراضي الواقعة في أبو دياب شرق، إذْ يضيف أنَّ جزءًا من الأزمة يرجع أيضًا إلى قيام بعض المزارعين في القرى التي تبدأ وتمر بها الترعة ببناء سدود وحواجز لاحتجاز المياه لفترات أطول لصالح أراضيهم في ظل غياب واضح من أجهزة الري والمتابعة، ومن ثَمَّ تحولت أزمة المياه وفق الأهالي إلى ما يشبه الصراع الصامت بين المزارعين، حيث يحاول كل طرف تأمين احتياجات أرضه من المياه، بينما يدفع سكان القرى الأخيرة الثمن الأكبر بسبب موقعهم الجغرافي.
تجاهل حكومي.. اتهامات لمسؤولي وزارة الري بالإهمال
يحمل الأهالي مسؤولي وزارة الموارد المائية والري بمحافظة قنا مسؤولية تفاقم الأزمة، مؤكدين أنهم تقدموا بعدة شكاوى رسمية خلال العامين الماضيين إلى وكيل وزارة الري ومدير عام الري بالمحافظة دون الوصول إلى حل جذري حتى الآن، لكون الاستجابة الرسمية غالبًا ما تقتصر بحسب روايات المزارعين على ضخ المياه لبضعة أيام عقب تقديم الشكاوى قبل أن تعود الأزمة مجددًا بصورة أكبر، إذْ يقول الأهالي إنهم يشعرون بأنَّ القرى الواقعة في نهاية الترعة تترك دائمًا لمواجهة مصيرها وحدها رغم أنَّ آلاف الأسر تعتمد بشكل كامل على الزراعة كمصدر دخل رئيسي.
أراض قاحلة.. مستقبل زراعي مهدد بانتظار تدخل أجهزة الدولة
في الحقول الممتدة بأبو دياب تبدو آثار الأزمة واضحة على النباتات التي فقدت خضرتها المعتادة وعلى الأرض التي تشققت بفعل الجفاف وغياب المياه لفترات طويلة، لكون المزارعين يخشون مع استمرار الأزمة للعام الثالث على التوالي من أن تتحول مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى أراض مهجورة بعدما أصبحت الزراعة نفسها مهددة بالخسارة، إذْ إنه ورغم الحديث الرسمي المتكرر عن تطوير منظومة الري وترشيد استهلاك المياه، يقول أهالي أبو دياب إنَّ مطلبهم الأساسي لا يزال بسيطًا ويتلخص في رغبتهم في ري أراضيهم العطشى، ومن ثَمَّ يبقى التساؤل الملح الذي يطرحه المزارعون يوميًا دون إجابة واضحة حول المدى الزمني لاستمرار أزمة العطش في قرى دشنا، وإمكانية تحرك أجهزة الري في قنا لإنقاذ آلاف الأفدنة قبل خروجها من الخدمة بالكامل.
من المتكرر عن تطوير منظومة الري وترشيد استهلاك المياه، يقول أهالي أبو دياب إن مطلبهم الأساسي لا يزال بسيطًا: “عايزين نسقي أرضنا.. عايزين المياه.. أرضنا عطشانه”.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المزارعون يوميًا دون إجابة واضحة: إلى متى تستمر أزمة العطش في قرى دشنا؟ وهل تتحرك أجهزة الري في قنا لإنقاذ آلاف الأفدنة قبل خروجها من الخدمة بالكامل؟.







