لا نستطيع القول إن الصحافة الورقية انتهت
هناك بعض القراء الذين لا يزال الارتباط بينهم وبين الصحافة الورقية قائمًا
مواكبة الصحافة الورقية للعصر الحديث باتت ضرورة
الصحافة الورقية مرجعًا أفضل من نظيرتها الإلكترونية
تكلفة الطباعة زادت بشكل غير طبيعي
النسخة الواحدة من الجريدة تتكلف نحو 15 جنيهًا وتُباع بـ3 جنيهات
أجور الصحفيين تحتاج إلى نظرة من المسؤولين
لم تعد الصحافة الورقية تقف أمام تحدٍ عابر، بل أمام لحظة مفصلية تعيد فيها تعريف دورها ومكانتها في المشهد الإعلامي المتغير، فمع صعود المنصات الرقمية وتسارع إيقاع الأخبار، لم يعد السؤال فقط عن قدرة الصحف على منافسة السرعة، بل عن القيمة التي يمكن أن تقدمها في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع خلال ثوانٍ.
وبين أزمة اقتصادية فرضت نفسها على المؤسسات الصحفية، وتحولات في عادات القراءة، وتساؤلات حول جودة المحتوى، يبرز سؤال جوهري: هل تواجه الصحافة الورقية نهاية حتمية، أم أنها تبحث عن صيغة جديدة للبقاء؟
في هذا الملف، يناقش “القصة” واقع الصحافة الورقية من زوايا متعددة، بداية من أسباب أزمتها، مرورًا بتحولات نموذجها الاقتصادي والمحتوى الذي تقدمه، وصولًا إلى فرص استعادتها لدورها كمنصة للتحليل العميق وصناعة الوعي، لا مجرد ناقل للأخبار.
يقول سعد سليم، رئيس مجلس إدارة دار التحرير سابقًا، إننا لا نستطيع القول إن الصحافة الورقية انتهت أو أنها ستنتهي في أي وقت، لأن هذا النوع من الصحافة له امتداد وتاريخ، كما أن له وضعًا وثائقيًا كبيرًا، مضيفًا أنها قد تضعف أو تواجه تحديات كبرى، لكنها لن تندثر، خصوصًا أن هناك بعض القراء الذين لا يزال الارتباط بينهم وبين الصحافة الورقية قائمًا.
ويشير سليم إلى أن التحديات تتمثل في ضرورة مواكبة الصحافة الورقية للعصر الحديث، وأن تمتلك نوعًا من صحافة المواطن التي تكتسح المشهد حاليًا، مضيفًا: “لكنها ستظل موجودة دائمًا وأبدًا، خصوصًا في مصر، لوجود بعض المتابعين الذين لا يتعاملون مع الثورة التكنولوجية، مثل المواقع الإخبارية أو مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما كبار السن، ومن لا يرغبون في التعامل مع الوسائل الحديثة مثل الكمبيوتر والهاتف المحمول”.
ويوضح سليم أن المطلوب من الصحافة الورقية هو التوجه إلى الجمهور، ووضع يدها على مشكلاته، ومناقشتها، وتقديم حلول لها، كما يجب إضافة صحافة المواطن إليها، من خلال التواصل مع الناس بشكل مكثف لمعرفة آرائهم فيما يدور حولهم، وعرض مشكلاتهم ووجهات نظرهم في الحلول، وكذلك مطالبهم. ويقول: “هذا هو الفيصل بين الصحافة الورقية والإلكترونية”.
ويرى سليم أن الصحافة الورقية تُعد مرجعًا أفضل من نظيرتها الإلكترونية، قائلًا: “بعض الموضوعات والصور والأخبار تضيع على المواقع الإلكترونية، ولا يمكن الوصول إليها، على عكس الصحف الورقية التي تمتلك أرشيفًا ووثائق موجودة في مراكز الأبحاث والدراسات وبعض المكتبات، التي تساعد على الحصول عليها في أي وقت”.
ويؤكد الرئيس السابق لمجلس إدارة دار التحرير أن تمويل المؤسسات الصحفية، وخاصة القومية منها، كان ذاتيًا حتى عام 2011.
ويقول: “كانت المؤسسات الصحفية القومية تنفق على نفسها من مصادرها، وتحدد علاواتها عن طريق مجلس الإدارة والجمعية العمومية الخاصة بها، وكذلك الرواتب، لكن تكلفة الطباعة زادت بشكل غير طبيعي بسبب ارتفاع أسعار الدولار، لأن كل ما يخص الطباعة نستوردُه من الخارج، فالنسخة الواحدة من الجريدة تتكلف نحو 15 جنيهًا، في حين تُباع بـ3 جنيهات، وهناك فرق كبير بين التكلفة وسعر البيع”.
وأضاف أن هذا الفارق كان يتم تعويضه من خلال الإعلانات، والطبع التجاري لإصدارات أخرى، وكذلك طباعة بعض الجرائد التجارية الخاصة ببعض المحافظات، وكتب الوزارة، إضافة إلى طباعة بعض المجلات الفصلية والشهرية لعدد من النقابات المهنية. وأوضح أن كل ذلك كان يساهم في تقليص الفارق بين تكلفة الطباعة والمردود الشهري، “أما الآن، فإن ارتفاع الأسعار تسبب في خسائر فادحة”.
وعن الرواتب وتأثير ارتفاع تكاليف الطباعة عليها، يقول سليم: “الرواتب تدعمها إلى حد كبير الهيئة الوطنية للصحافة بالتعاون مع وزارة المالية. لكن علينا الأخذ في الاعتبار أن رواتب الصحفيين التي كانت من أعلى الفئات في المجتمع أصبحت من أقلها. فمثلًا الحد الأدنى للأجور حاليًا في الحكومة يبلغ 8 آلاف جنيه، والراتب الذي كنت أتقاضاه كرئيس لدار التحرير، التي تُعد ثالث أكبر دار للنشر في الجمهورية، كان 10 آلاف جنيه”.
ويضيف: “الحد الأدنى للأجور لا يُطبق في المؤسسات الصحفية القومية، لأنها لا تخضع لقانون الخدمة المدنية، ولا تُعامل باعتبارها من القطاع الخاصن فتلك الصحف مؤسسات ذات طبيعة خاصة، يملكها الشعب، وتتبع مجلس الشعب بعد أن كانت خاضعة لمجلس الشورى قبل إلغائه”.
ويؤكد: “لا تملك أي مؤسسة صحفية حق اتخاذ قرار بزيادة الرواتب، أو قرار يخص العلاوة الدورية التي يتم صرفها في يناير من كل عام، حيث أصبح القرار في يد الهيئة الوطنية للصحافة، وفي الحقيقة، فإن أجور الصحفيين تحتاج إلى نظرة من المسؤولين، لارتباطها بشكل وثيق بالحالة الاجتماعية الموجودة في البلاد، وقيمة التضخم وقيمة الجنيه. وبالنظر إلى المصروفات وأعباء الأسرة، والأعباء التي يتحملها الصحفي حتى يتمكن من أداء عمله، سنعرف مدى تدني رواتب الصحفيين”.
ويقول: “شهدت الفترة الأخيرة اجتماعات وتصريحات حول حالة الإعلام والصحافة، خصوصًا ما يتعلق بتصريحات رئيس الجمهورية بشأن عقد مؤتمر سنوي في ديسمبر من كل عام، يُخصص لمناقشة تطوير الإعلام والصحافة وأزماتهما، وطرح حلول لها، وربما يتم النظر إلى ملف أجور الصحفيين خلال الفترة المقبلة، في ضوء الاهتمام بالصحافة والإعلام”.
وعن المحاولات التي تحدث من وقت لآخر لمناقشة أوضاع الصحافة ولا تسفر عن نتائج، يقول سليم: “على الأقل يعرض الصحفيون مشكلاتهم وأزماتهم، وكذلك تصوراتهم للحلول. وبالتأكيد ستأخذ الدولة هذه الأمور بعين الاعتبار، لكن المشكلة تكمن في وجود أولويات لدى الدولة وفي حجم المصروفات، لذلك تتأخر الاستجابات فيما يتعلق بمطالب الصحفيين”.
ويرى سليم أنه بعد تأسيس وزارة الدولة للإعلام، أصبح هناك مكسب مهم بوجود الدكتور ضياء رشوان في الحكومة، قائلًا: “فهو يعلم جيدًا كل ما تمر به الصحافة من أزمات، وكذلك المطالب المتعلقة بالصحفيين. لذلك سيكون خير وسيط لعرض كل ما يخصنا بسرعة وأمانة، وربما تأتي الحلول بطريقة أسهل وأسرع خلال الفترة المقبلة”.