في صيف عام ٩٣، كنت قد خرجت من المعتقل بعد وصلة تعذيب بدني قاسية.
ذهبت إلى الإسكندرية للتعافي، ولم أكن أعلم أنني كنت على موعد مع تعافي روحي وإنساني امتد لسنوات طويلة، وكان اللقاء الأول مع صالح أبو سمرة، وزوجته العظيمة إقبال البرغوثي، وبناته الصغيرات: فداء، وهلا، ولينا، وحنين، ومعهم أستاذنا العظيم محمد عودة. احتضنني بقلبه قبل يده، وبعد التعارف دار نقاش عن صراع الأجيال في الحركة الناصرية مع الأستاذ عودة، فانتصر صالح لموقفي كأنه يعرفني منذ زمن بعيد. أدركت من هذه اللحظة أن روحي ووجداني امتلكهما هذا الرجل بدفء قلبه وعمق عينيه.
*ربما من السهل أن تكتب من أول السطر، ولكن أن تكتب من آخره فهذا مستحيل. أن يضع القدر نقطة في نهاية أجمل جملة عشتها، ثم تعاودها ذاكرتك، وتدفع بكل ما أوتيت من قوة هذه النقطة لتزيحها فلا تستطيع، وتكتشف أنها ما كانت سوى الموت، ذلك الذي يأتي في لحظة، ويتلاعب بك وحولك، ويصدمك بحادث دراجة نارية، ويضحك عليك، ويقبض روحك، ثم يلقيها مرة أخرى إليك، ويتركك ممددًا، فتظن أنك نجوت، وتفتش في روحك، فتجد أنه قد أخذ منها أنبل ما فيها، وأعطاك تعريفًا آخر للموت.
ليس الموت أن تموت، فهذا أبسط ما في الفقد، لكن الموت أن يفارقنا من كانوا هم الحياة.
*أحقًا مات صالح؟ كيف؟ خلت أنه لن يتسلل إليه هذا الموت، بعدما روّض الرجل بقلبه عنفوان المرض، صاحبه واستأنس به، وكان يبتسم في وجهه كلما زاد عليه الوجع، حتى فقد المرض هيبته، وسلم له رايته. فبدا وجهه مشرقًا دون شحوب، وقلبه كعداء يقطع المسافات، يوزع أرغفة المحبة كل صباح على أبواب الأحباب، ما غاب لحظة بدعوى تعب، ولا كلّ من سؤال بدعوى انشغال، ولا أغلق بابًا بدعوى أرق.
يا الله، هم يتحدثون كثيرًا عن أغصان الزيتون، وأنا عايشت واحدًا من هذا الشجر. رأيت عناد الزيتون حين كان المرض يشتد عليه، فيرفض الشحوب، ويصر على أن يطرح أملًا، كأنه يتحدى الفناء، تمامًا كتلك الزيتونة الفلسطينية التي تُقصف أغصانها، وتُحرق بياراتها، وفي جيل الغد تجدها قد ضربت في عمق الصخر لتخرج برعمًا أخضر جديدًا.
أليس الموت في النهاية شيئًا عاديًا كالميلاد؟
ربما رحل صالح ليرى محبيه في السماء: «المعلم الأول القائد المقاتل محمد أبو سمرة «أبو ناصر»، وإنصاف البرغوثي، وأمين إسكندر، وعزازي علي عزازي، وعمرو حلمي، ومنير الصياد، ومحمد عودة، وعبد العظيم مناف، وسيد عبد الغني، وعاطف جلال، وآخرين»، وأن تحلق روحه فوق مساحات الوطن، ويسكن جسده ثرى مصر، ليقول للعالم إن الشجر الشريف يدرك أين يضع أمانته، وإن الأرواح التي تآخت في الحياة لا تفترق في الممات.
لم تكن مواراة جثمان، بل كان عناقًا بين أحبة، ونيل يفيض بالصبر والمدد، وزيتون يفيض بالكبرياء. أصر أن يُدفن هنا، لتظل أرغفة محبته طازجة في وعي الشوارع التي مشى فيها، وليصبح مقامه شاهدًا، ولتصبح مقبرته محطة لكل من أراد أن يقرأ كتاب الوفاء من أول السطر إلى آخره، أو لأنه أراد ألا يموت، فسكن أرض الحياة تعويضًا عن بلدته الجميلة عين كارم في فلسطين المحتلة.
لم أشعر باليتم الحقيقي يوم أن مات أبي بقدر ما جربت مرارته اليوم، فموت الأب فجيعة نتقبلها مرغمين كجزء من نواميس الكون وترتيب الفقد الطبيعي، وأما موتك فهو يُتم الروح وانكشاف النفس. فقد كان أبي الأول سندًا ومبتدأ للحياة، لكنك كنت الجدار الذي رممت به انكسارات الأيام، وعبرت به فوق جسور الخوف، وكنت ألوذ بظلك كلما ضاقت بي السبل، وأستعير من طمأنينتك صبرًا يثبتني على الأرض.
*اليوم، حين انطفأ ذلك النور المهاجر من ويلات فلسطين ليتوسد طمي مصر في مرقده الأخير، ويستقر في قلوب كل محبيه وعارفي فضله، وكأن ما حدث كان حلمًا مزعجًا عابرًا، لم أستفق منه إلا حينما هزني أحد الأصدقاء قائلًا: «أمات أبوك؟».
قلت: مات ولم يرحل. ستظل تلك الهيبة، وذلك الانبهار الأول، وأحاديث السجن مع رفاق عمره: «فلسطين ـ القاهرة ـ جمال عبد الناصر ـ عبد الحليم حافظ ـ أم كلثوم»، وتفاصيل كثيرة تُشبع الروح.
تركنا صالح دون أن نُشفى من ذاكرتنا، ولهذا يموت بعضنا… ليعيش إلى الأبد.