تتزايد المخاوف من عودة التصعيد العسكري في قطاع غزة، في ظل تصريحات إسرائيلية تتحدث عن إمكانية بدء عملية عسكرية جديدة داخل القطاع، في وقت لا يزال فيه الوضع الإنساني يعاني من تداعيات الحرب والدمار الواسع الذي شهده القطاع.
ومع الحديث عن عملية عسكرية جديدة، تطرح عدة تساؤلات حول طبيعة هذه العملية، والأهداف التي يمكن أن تسعى إسرائيل إلى تحقيقها، وهل ستكون عملية محدودة ومركزة أم قد تتطور إلى مواجهة أوسع.
وفي هذا السياق، قال أحمد فؤاد أنور، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، إن احتمال عودة الاعتداء الشامل على قطاع غزة قد يأتي في صورة عمليات إغارة وعمليات محدودة، إلى جانب عمليات بالتعاون مع مجموعات محلية داخل القطاع.
وأوضح أن الجانب الإسرائيلي، سواء الحكومة أو المجتمع، لا يحتمل في الوقت الحالي سقوط أعداد كبيرة من الجنود الإسرائيليين، خاصة إذا كانت هناك عمليات واسعة المدى أو هجوم بري يؤدي إلى اشتباكات داخل الأنفاق التي تتحصن فيها الفصائل الفلسطينية.
وأضاف أن الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي قد تتحول إلى عبء على الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا في ظل الحسابات السياسية والانتخابية، ولذلك فإن إسرائيل قد تسعى إلى تحقيق «صورة نصر» بتكلفة عسكرية أقل.
وأشار أنور إلى أن هذه الصورة قد تتمثل في اختطاف أو اعتقال عناصر من المقاومة أو فلسطينيين داخل قطاع غزة، ثم تقديمهم باعتبارهم عناصر بارزة في المقاومة.
وتابع أن مثل هذه العمليات قد تؤدي إلى رد فعل من جانب المقاومة، إلا أنه من الصعب التنبؤ بصورة دقيقة بطبيعة هذا الرد، مشيرًا إلى أن المقاومة قد ترى في أي تصعيد فرصة لتحريك حالة الجمود الموجودة حاليًا.
وأضاف أن إسرائيل تسعى أيضًا إلى إبعاد حركة حماس عن المشهد السياسي، خاصة في ظل محاولاتها الدخول في تحالفات مع تيارات فلسطينية أخرى، معتبرًا أن أي عملية عسكرية جديدة قد تستخدم للتأثير على المشهد السياسي الفلسطيني.
وفي الجانب العسكري، قال اللواء عادل العمدة، الخبير العسكري، إن أي عملية إسرائيلية جديدة في قطاع غزة ستكون مختلفة عن العمليات التي شهدها القطاع خلال الفترة من 2023 إلى 2025، بسبب الخبرة العسكرية التي اكتسبها الطرفان، إلى جانب التغير الكبير الذي طرأ على طبيعة الأرض نتيجة الدمار الواسع.
وأوضح العمدة أن أحد السيناريوهات الممكنة يتمثل في تنفيذ عملية برية محدودة ومركزة، تدخل خلالها القوات الإسرائيلية إلى قطاعات محددة لتحقيق أهداف عسكرية أو جغرافية مؤقتة، قبل الانسحاب أو إعادة التموضع، بدلًا من تنفيذ حملة برية طويلة للسيطرة على كامل القطاع.
وأشار إلى أن الأهداف العسكرية المحتملة يمكن أن تشمل إعادة تدمير القدرات العسكرية التي أعادت الفصائل بناءها، ومنع إعادة بناء شبكات القيادة والسيطرة، واستهداف البنية التحتية الموجودة تحت الأرض، إلى جانب استخدام الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض، خاصة فيما يتعلق بالسلاح والرهائن والترتيبات الأمنية.
وأكد أن تحقيق بعض هذه الأهداف لا يحتاج بالضرورة إلى توغل بري واسع، موضحًا أن استهداف قيادة أو خلية أو منشأة محددة يمكن أن يتم من خلال عملية محدودة، بينما يحتاج تفكيك منظومة عسكرية منتشرة في مساحة كبيرة والسيطرة على الأرض ومنع إعادة تشكيلها إلى وجود بري أطول وأكثر اتساعًا.
وعن قدرة الفصائل الفلسطينية على التعامل مع عملية عسكرية جديدة، قال العمدة إن الخبرة المتراكمة منذ عام 2023 قد تدفع الفصائل إلى الاعتماد بصورة أكبر على اللامركزية في القيادة والعمل العسكري، والاستفادة من البيئة العمرانية والأنفاق والتحصينات التي لا تزال صالحة للاستخدام.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الفصائل تواجه بيئة ميدانية أكثر صعوبة، بسبب حجم الدمار الكبير الذي تعرض له القطاع، وهو ما أدى إلى تغيير طبيعة مسرح العمليات.
وأوضح أن من أبرز التحديات التي قد تواجه الجيش الإسرائيلي في حال تنفيذ عملية برية جديدة: القتال في البيئة العمرانية المدمرة، والأنفاق، واتساع منطقة العمليات، إضافة إلى مشكلة «اليوم التالي» والعامل المدني والإنساني.
وبعيدًا عن الحسابات السياسية والعسكرية، يبقى الوضع الإنساني في قطاع غزة أحد أكثر الملفات تأثرًا بأي تصعيد جديد.
وقال الدكتور المهندس محمد المغير، مدير الدعم الإنساني في الدفاع المدني في غزة، إن «كل الأمور متوقفة»، مشيرًا إلى أن العجلة الإنسانية شبه متوقفة وأن الحصار مطبق على القطاع.
وأضاف المغير أن المستشفيات يتم تزويدها بالوقود عند مستويات أقل من الحد الأدنى، وكذلك الدفاع المدني، في ظل استمرار الصعوبات التي تواجه الخدمات الأساسية داخل القطاع.
وتأتي هذه التصريحات في وقت لا يزال فيه القطاع يعاني من تداعيات الحرب والدمار، وهو ما يجعل أي تصعيد عسكري جديد عاملًا إضافيًا للضغط على الخدمات الطبية والإنسانية، خصوصًا إذا تطورت العمليات إلى مواجهات برية.
وبينما تتحدث إسرائيل عن خيارات عسكرية وأمنية جديدة، يبقى شكل العملية وتوقيتها ومدى توسعها مرتبطًا بعدة عوامل، من بينها الحسابات السياسية داخل إسرائيل، والقدرة العسكرية للفصائل الفلسطينية، والمسار التفاوضي، إلى جانب التطورات الميدانية.
وبالتالي، فإن السؤال المطروح حاليًا ليس فقط ما إذا كانت إسرائيل ستبدأ عملية عسكرية جديدة في غزة، وإنما أيضًا: هل ستكون عملية محدودة لتحقيق أهداف محددة، أم أن التصعيد قد يتطور مرة أخرى إلى مواجهة أوسع؟