في غرف نقل الدم، وعلى أبواب الصيدليات والمستشفيات، يحيا مرضى أنيميا البحر المتوسط “الثلاسيميا” في مصر معركة يومية من أجل البقاء. أزمة تجاوزت نقص العلاج إلى تهديد مباشر للحياة، بعدما أصبح دواء خفض الحديد نادرا أو باهظ الثمن، فيما تزداد معاناة المرضى مع نقص الدم وارتفاع تكاليف الرعاية الطبية، وسط مطالبات من المرضى وعائلاتهم بتدخل عاجل لإنقاذهم.
يقول أشرف حلمي، مريض ثلاسيميا يبلغ من العمر 40 عاما، إنه بدأ رحلة نقل الدم منذ كان في الرابعة من عمره داخل مستشفى أبو الريش، قبل أن تضطر أسرته للبحث عن مكان آخر لاستكمال العلاج بعد تجاوزه سن الطفولة. ومنذ سنوات، ينقل الدم كل 15 يوما، بينما يواجه أزمة مستمرة في توفير أدوية خفض الحديد، التي تعتبر العلاج الأهم لمرضى الثلاسيميا.
وفقا لشقيقه، فإن تراكم الحديد في جسد أشرف بسبب نقص العلاج أدى إلى مضاعفات خطيرة، من بينها مشكلات بالقلب والكبد والكلى والعظام، حتى أصبح غير قادراً على الحركة بسهولة. موضحًا أن كل مريض يحتاج نوعًا معينًا من أدوية خفض الحديد وفقا لطبيعة جسمه ومكان ترسب الحديد، إلا أن أغلب الأنواع اختفت من السوق، بينما لا يتوفر حاليًا سوى بديل واحد يشكو كثير من المرضى من آثاره الجانبية.
ولا تتوقف معاناة أشرف عند الدواء فقط، إذ تواجه الأسرة صعوبات مستمرة في توفير أكياس الدم والفلاتر الطبية اللازمة أثناء النقل، خاصة بعد ارتفاع أسعارها بشكل كبير. كما أشار شقيقه إلى أن كثيرًا من الأطباء يترددون في التعامل مع مرضى الثلاسيميا بسبب تعقيد حالتهم الصحية، ما يترك المرضى وأسرهم في رحلة بحث دائمة عن رعاية طبية آمنة.
كما روت إحدى المريضات أنها تذهب إلى صيدليات “الإسعاف” باستمرار بحثًا عن علاج خفض الحديد دون جدوى، بينما يصل سعر العبوة أحيانًا إلى أكثر من 10 آلاف جنيه، وهو ما يفوق قدرتها المادية. تقول: “أشتري العلاج شهر، والشهر اللي بعده ما بقدرش.. الحديد عندي عالي جدًا وأنا بنقل دم كل 15 يوم”.
ومريضة أخرى تحدثت عن أزمة مختلفة تواجه المرضى داخل المستشفيات، قائلة إن بعض الأطباء يرفضون نقل الدم للحالات التي تعاني مضاعفات بالقلب نتيجة ارتفاع الحديد، بسبب نقص الإمكانيات الطبية والأجهزة اللازمة للتعامل مع أي طارئ. وتضيف: “إحنا مش رافضين العلاج.. هو أصلًا مش موجود”.
أما إحدى المريضات فتقول إن سعر عبوة العلاج وصل إلى 12 ألف جنيه، متسائلة كيف يمكن لمريض يحتاج العلاج بشكل مستمر تحمل هذه التكلفة، بينما تؤكد أن بعض الأدوية أصبحت تُباع في السوق بأسعار مرتفعة عبر تجار، في وقت يعجز فيه المرضى عن توفير ثمن التحاليل الأساسية أو الرعاية الطبية المنتظمة.
ورغم اختلاف التفاصيل، تتشابه روايات المرضى في نقطة واحدة: الخوف من تحول نقص العلاج إلى حكم يومي بالمضاعفات أو الموت البطيء، في ظل مطالبات متكررة بتوفير أدوية الثلاسيميا بشكل منتظم، وضمان رعاية صحية تليق بمرضى يعتمد بقاؤهم على الدم والعلاج المستمر.
فيما قال محمود فؤاد رئيس جمعية الحق في الدواء لـ “القصة” إن أزمة مرضى الثلاسيميا ليست جديدة، بل ممتدة منذ سنوات، موضحًا أن عدد المصابين في مصر تجاوز 300 ألف مريض، يعاني أغلبهم من مشكلتين أساسيتين: نقص أكياس الدم واختفاء أدوية خفض الحديد، خاصة لمرضى العلاج على نفقة الدولة.
وأرجع فؤاد الأزمة إلى تعثر توريد الأدوية من الشركات إلى هيئة الشراء الموحد بسبب مشكلات مالية وديون متراكمة، ما أدى إلى اختفاء الأدوية من صيدليات مثل الإسعاف التي كانت توفرها مسبقا.
وأضاف أن الكميات التي تطرح أحيانًا تكون محدودة جدًا وتنفد خلال يومين فقط، مؤكدًا أن زيادة الحديد في جسم مريض الثلاسيميا يمثل خطرًا شديدًا على القلب ما قد يؤدي إلى الوفاة.وهو ما يفسر ارتفاع حالات الوفاة مؤخرًا بين المرضى.
كما أشار فؤاد إلى أن هناك حديثًا عن إعادة تسعير أكياس الدم وتدعيمها، لكن دون خطوات فعلية على الأرض حتى الآن، مطالبًا بسرعة تدخل الجهات المعنية لتوفير الأدوية والعلاج باعتبارها أدوية “منقذة للحياة”.