لم يعد السؤال اليوم في الأوساط السياسية الإسرائيلية يدور حول سقوط حكومة بنيامين نتنياهو بل حول من سيمسك بزمام المبادرة لإسقاطها والسيطرة على المشهد القادم، لكون التصويت المبدئي جاء بالأغلبية الساحقة بـ 110 أعضاء لصالح 13 مقترحًا لحل الكنيست ليفتح الباب أمام قراءات تشريعية حاسمة في الأسابيع المقبلة، إذْ تبرز في الأفق تكهنات بورصة المواعيد الانتخابية بين خيار النصف الأول من سبتمبر المتوافق مع الصلوات الخاصة برأس السنة العبرية أو العودة للموعد الأصلي المؤجل في 27 أكتوبر.
قانون تجنيد الحريديم.. أزمة نقص كنيست تضرب استقرار التحالف
وفي هذا الصدد تؤكد الباحثة إنجي بدوي لـ “القصة” أنَّ حكومة نتنياهو واجهت أزمة وجودية حادة قبل خطوة حل الكنيست بسبب النقص الحاد في القوة البشرية العسكرية بأكثر من 7000 جندي، لكون الأحزاب الدينية والحاخامات يرفضون في المقابل وبشكل قاطع تجنيد طلاب المدارس الدينية، وتعقيبًا على مسار التمرد الديني توضح البدوي: أنَّ الأيام الماضية شهدت نقطة تحول عندما أصدر أحد الأحزاب الدينية الشريكة في الائتلاف بيانًا ناريًا أعلن فيه بوضوح أنه لم يعد هناك وجود لحكومة نتنياهو وأنه من الصعب التوصل إلى اتفاقات جديدة معه بسبب تخبطه ومراوغته في تمرير قانون إعفاء الحريديم، مشيرة إلى أنَّ هذا الشرخ جعل الحريديم يغيرون استراتيجيتهم فبدلًا من الدفاع عن الحكومة قرروا الانضمام للمعارضة وتسهيل تمرير مشروع قانون حل الكنيست المقدم من حزب أزرق أبيض لضمان أن تكون لهم كلمة عليا وسيطرة كاملة على مجريات العملية الانتقالية.
صراع السيطرة.. ثلاثة أطراف تتنافس لقيادة مرحلة حل الكنيست
وحول تفاصيل هذا الانقسام تقول الباحثة: “إنَّ المشهد الحالي داخل إسرائيل ليس توافقًا على التغيير بل هو صراع شرس بين ثلاثة أطراف سيقطعون بعضهم للسيطرة على عملية حل الكنيست” مفسّرةً أنَّ بنيامين نتنياهو يعيش أضعف فتراته السياسية داخليًا لكنه ثعلب سياسي يريد إدارة الحل بنفسه وبشروطه ليضمن العودة للحكم مجددًا مستخدمًا سياسة اللعب على الحبال ليرضي الجيش تارة ويناور المتدينين تارة أخرى، لاسيما وأنَّ الأحزاب الدينية الحريديم تريد قيادة الدفة لحماية مكتسباتها التاريخية ومكانة مدارسها الدينية، ومن ثَمَّ يسعى اليسار والمعارضة لإنهاء حقبة نتنياهو السياسية بشكل كامل.
تمرد داخل الجيش.. تمديد الاستدعاءات يفجر غضب جنود الاحتياط
وفي ظل غليان جيش الاحتلال من الداخل خلف الكواليس تكشف بدوي عن انقسام داخلي حاد وضغوط غير طبيعية يمارسها الجيش والجنود على القيادة السياسية والسبب يرجع إلى خديعة أوامر الاستدعاء، لكون الجيش أبلغ جنود الاحتياط في بداية العام أنَّ مدة استدعائهم لن تتجاوز 60 يومًا لكن الواقع جاء صادمًا حيث تم تمديد الخدمة لأكثر من 100 يوم، إذْ تسبب هذا التمديد في تفكك اجتماعي واقتصادي للجنود الذين تركوا وظائفهم وعائلاتهم بل إنَّ بعضهم تساءل بغضب عن كيفية احتجازه في الاحتياط لأكثر من 100 يوم وتضييع مصالحه بينما تمر انتخابات الكنيست وهو في الميدان دون أفق واضح، كما أضافت أنَّ هناك تسريبات خطيرة تتداول في كواليس جهاز الأمن العام الشاباك تشير إلى مخاوف من محاولات نتنياهو والمقربين منه للسيطرة على العملية الانتخابية القادمة لمنع حدوث سيناريو سقوط مدوٍ.
استنزاف الجبهات.. مسيرات حزب الله الانقضاضية تكبد إسرائيل خسائر فادحة
وعلى صعيد التوترات الحدودية تؤكد الباحثة أنَّ هذه الأزمات السياسية والعسكرية تأتي في وقت تعيش فيه إسرائيل حالة تبهدل غير طبيعي على الجبهة الشمالية مع لبنان، لكون حزب الله نجح عبر سلاح المسيرات الانقضاضية في إيقاع خسائر بشرية فادحة بين صفوف الضباط والجنود، إذْ أسفرت الضربات الأخيرة عن مقتل رائد أو نقيب أثار مقتله ضجة عارمة داخل الأوساط العسكرية فضلًا عن مقتل أكثر من 9 جنود خلال فترات وصفت بأنها وقف إطلاق نار مؤقت، ومن ثَمَّ جعلت هذه الضربات نتنياهو محاصرًا بجبهات مفتوحة ومستنزفة لا يملك القدرة على حسمها.
مناورات سياسية.. نتنياهو يسعى للإشراف على إسقاط حكومته لضمان عودته
ورغم قوة الأزمات وقانون التجنيد وتجدد المظاهرات الإسرائيلية المتوقع خروجها بأعداد ضخمة السبت المقبل للمطالبة بانتخابات ديمقراطية وإسقاط الحكومة ترى الباحثة إنجي بدوي أنَّ هذه الأزمات قد لا تكون الشرارة الفورية التي تسقط الحكومة بشكل دراماتيكي، وعن أسباب ذلك الصمود تجيب بدوي بأنَّ السبب يرجع إلى أنَّ نتنياهو هو الشخصية الأكثر جلوسًا على كرسي رئاسة الوزراء في تاريخ إسرائيل ويمتلك قدرة عجيبة على الالتصاق بالمنصب والمناورة السياسية، إذْ إنَّ أقصى ما قد يحدث في المدى المنظور هو مناوشات واحتجاجات واسعة في القدس ومناطق مثل بني براك خاصة بعد اعتقال الشرطة العسكرية لطالبين من المدارس الدينية الشرفية، لاسيما وأنَّ نتنياهو سيبقى يقاتل حتى النفس الأخير ليكون هو المشرف على جنازة حكومته ليعود منها في ثوب جديد.