ياسر سعد
كانت الأخلاق وما زالت على مر العصور مصدراً للتشريع المصري، مهما علا درجته. فالدستور والقانون والقرارات الإدارية، بل والتعليمات المكتوبة والشفوية، دائمًا ما يكون مصدرها الرئيسي المبادئ العامة للشريعة الإسلامية، التي اختلفت اختلافًا شديدًا بين كل عصر والآخر، بل كان هذا الاختلاف مصدرًا للصراع بين الدول والمجتمعات في ذات العصر.
في مصر، كانت السلطة الحاكمة – بغض النظر عن سبب وجودها وعن شكلها أو أيديولوجيتها، تحافظ على وجود الأخلاق والقيم والمبادئ الدينية وقواعد الآداب العامة، باعتبارها مصدرًا للتشريع المصري ومكملاً له في جزئه غير المكتوب.
دستور 23 مثالٌ على هذا الطرح، فباعتباره دستورًا صدر بعد احتجاجات 1919، صدر عن جمعية تأسيسية ضمت فئات المجتمع، وكان دستورًا يهتم بالحقوق والحريات، فضلاً عن كونه يؤسس لدولة برلمانية بالرغم من صلاحيات الملك. فقد نص في مادته الثانية عشرة على: “حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية إقامة الشعائر الدينية والاحتفالات الخاصة بها حسب مراسمها، على ألا يكون في ذلك إخلال بالنظام العام أو منافاة للآداب”.
بالإضافة إلى نص المادة 149: “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية”، التي وافق عليها ممثلو ديانات أخرى بحجة أن نص المادة 12 يقيد تدخل الدولة والأفراد في شرائع الأقليات في مصر. إلا أن القضاء المصري في حينها توسع في تطبيق نص المادة 149 وذهب الي منطق “الولاء” الأخلاقي بأن جعل من يدخل الإسلام لا يمكنه الارتداد عنه، لأن اعتبار ذلك “يؤدي إلى التلاعب بالأديان، بما يتعارض مع القواعد الآمرة التي يفرضها النظام العام واستقرار المجتمع”.
هنا يظهر جليًا أنه بالرغم من السياق التاريخي لدستور 23، إلا أن السلطة الحاكمة لم تتوانَ لحظة واحدة عن فرض سيطرتها عن طريق القضاء، الذي وجد من نص المادتين الدستوريتين سبيلاً لاضطهاد الأقليات وانتهاك حقوقهم.
وإذا ما تبادر لأذهاننا سؤالا عن “لماذا الأخلاق”؟ سنجد أن الأمر يرتبط بكونها مرنة، وقد تظهر الأخلاق وأخواتها من أمثال القواعد العامة والآداب العامة باعتبارها أداة أيديولوجية لتبرير كل تمييز، على سبيل المثال، في قوانين الأحوال الشخصية المصرية، دائمًا ما تكون الأخلاق والمبادئ والآداب العامة تلعب أدوارها المزدوجة لضمان انتهاك حقوق المرأة، وفي ذات اللحظة يُكرَّس لنظام ذكوري تُغتصب فيه حقوق النساء، بغض النظر عن المستوى الاجتماعي والثقافي والمهني وربما السياسي.
في الولاية على الأطفال، تُقتصر الولاية على الرجال من أسرة الطفل دون النساء، ولاية تجعله مهيمنًا على حقوق الأطفال المالية. وبالرغم من ذلك، يُنازَع النساء في الحضانة باعتبارها مصدرًا لضمان حياة كريمة للأم المتزوجة والمطلقة، على شرط أن تنتهي حياتها عند هذا الحد، وعليها التوقف عن أي سعي لحياة أخرى سواء كانت شخصية أو مهنية، بل يُحظر عليها الخروج من هذا الوطن لأي سبب. فالأخلاق تنتفي عنها باعتبارها سببًا للحضانة طالما سعت إلى حياة أفضل. إلا أنها تنتفي تمامًا تلك الحقوق عن المرأة التي لم تستطع الإنجاب لسبب أو لآخر، لتواجه مجتمعًا يفترض فيها بدايةً أنها بلا أخلاق، وإلا لماذا هي مطلقة؟
وفي الخلع، الذي يُعتبر أول تطبيق في التشريع المصري للطلاق بإرادة المرأة وحدها، إلا أنها في تمتعها بهذا الحق عليها أن تتنازل عن بعض حقوقها المالية كمؤخر الصداق، لتجد نفسها بلا أي غطاء مادي يعوضها عما فاتها من خسارة مادية ومعنوية.
المثال الأخير والأكثر انتشارًا في قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، الذي أصبحت مواده المؤثمة لأفعال نشر الأخبار الكاذبة أو تهديد قيم الأسرة المصرية هي يد السلطة الغاشمة في القبض على نشطاء سياسيين أو أصحاب محتوى إبداعي أو فني، خصوصًا من السيدات. التي اتجهت الأحكام القضائية إلى تغليظ العقوبة ضدهن، في ظل إخلاء سبيل بعض الرجال الذين قاموا بنفس الأفعال.
بالإضافة إلى تجريم ذات القانون جريمة السب والقذف في حق رجال الدولة حمايةً لهم، فاعتبر الاعتداء عليهم جريمة مشددة العقوبة عن السب والقذف بين المواطنين وبعضهم.
في النهاية، التشريعات الوطنية، خاصة الدساتير باعتبارها مصدرًا لكل التشريعات الوطنية في دولة ما، عليها أن تخلو من كل قيمة لم تُقدَّر تقديرًا نهائيًا، لأن الخلاف في تفسير بعض المواد التي تحتوي على ألفاظ المبادئ العامة أو الأخلاق أو الآداب العامة قد يُعتبر انتهاكًا يجعل من الدستور غير منتجا لأثاره كعقد اجتماعي بين الدولة والمواطنين حيث يصبح هذا العقد مبهما غير فاعلا ويجعل من العلاقات الاجتماعيه أمرا صعبا تتحمل تبعاته دائما الطرف الأضعف.