تطرح الانتخابات البرازيلية والاحتجاجات الطلابية في صربيا تساؤلات بشأن مستقبل الاستقطاب السياسي، ودور التعبئة الشعبية ووسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على المشهد السياسي، ومدى قدرة هذه التحركات على إحداث تغييرات مستدامة في توجهات المواطنين.
وفي ظل تصاعد المنافسة بين التيارات السياسية المختلفة، تبرز أهمية قراءة هذه التطورات في سياقاتها المحلية، بعيدًا عن اختزالها في صراع دولي بين القوى الكبرى أو اعتبار كل نتيجة انتخابية انتصارًا لطرف سياسي على حساب آخر.
جولة الإعادة أعادت ترتيب التحالفات
قال الدكتور محمد عطيف ، أستاذ العلاقات الدولية ، والباحث المتخصص في شؤون أمريكا اللاتينية، إن ما حدث في الانتخابات البرازيلية لا يمكن اختزاله في تقدم فلافيو بولسونارو خلال الجولة الأولى ثم تغير النتيجة في جولة الإعادة.
وأوضح أن الجولة الأولى تعطي صورة عن حجم القواعد الانتخابية لكل مرشح، بينما تفتح جولة الإعادة المجال أمام إعادة ترتيب التحالفات واستقطاب الناخبين الذين لم يحسموا موقفهم في المرحلة الأولى.
وأضاف أن لولا دا سيلفا استطاع الاستفادة من هذا الوضع، خصوصًا أن النقاش خلال الجولة الثانية لم يعد مرتبطًا فقط بشخص المرشحين، وإنما امتد إلى قضايا المعيشة والاقتصاد والأمن والفساد، وكذلك إلى مستقبل الاستقطاب السياسي في البلاد.
وأشار إلى أن هذه العوامل تداخلت بصورة واضحة، موضحًا أن الناخب لا يصوت دائمًا انطلاقًا من اعتبارات أيديولوجية خالصة، إذ يكون تقييم الظروف الاقتصادية والاجتماعية في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا في قراره.
ولفت إلى أن مخاوف جزء من الناخبين من استمرار حالة الانقسام السياسي الحاد في البرازيل ساعدت لولا على توسيع دائرة التأييد خارج أنصاره التقليديين، وهو ما كان مهمًا للغاية في جولة الإعادة.
احتجاجات صربيا والتعبئة عبر وسائل التواصل
وفي تعليقه على الاحتجاجات الطلابية والتحركات الشعبية والحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قال عاطف إن هذه التحركات ساهمت في رفع مستوى التعبئة السياسية، مشيرًا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا من المعركة الانتخابية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالشباب.
لكنه أوضح أنه لا يعتقد أنه يمكن، في هذه المرحلة، اعتبار هذه التعبئة مؤشرًا على تحول سياسي دائم، إذ قد ترتبط بظروف سياسية محددة أو برغبة لدى جزء من الناخبين في منع عودة عائلة بولسونارو إلى السلطة، في الحالة البرازيلية.
وأكد أن الحكم على استدامة هذا الاتجاه يحتاج إلى متابعة ما سيحدث بعد الانتخابات، وليس الاكتفاء بقراءة سلوك الناخبين خلال الحملة الانتخابية.
ويبرز ذلك أهمية التمييز بين التعبئة الشعبية التي تنجح في التأثير على لحظة سياسية بعينها، والتحول المستدام في التوجهات السياسية للمجتمع، وهو ما يتطلب متابعة التطورات اللاحقة ومدى استمرار المشاركة السياسية بعد انتهاء الحملات والاحتجاجات.
هل يتراجع اليمين الشعبوي في أمريكا اللاتينية؟
وبشأن ما إذا كانت النتيجة البرازيلية تعكس تراجعًا لليمين الشعبوي في أمريكا اللاتينية، دعا عاطف إلى التعامل مع الأمر بحذر، مؤكدًا أنه لا توجد في المنطقة قاعدة انتخابية واحدة أو اتجاه سياسي موحد.
وأوضح أن دولًا في المنطقة شهدت صعودًا واضحًا لتيارات يمينية، في حين حافظت دول أخرى على حضور القوى اليسارية أو الوسطية، وهو ما يجعل الحديث عن موجة واحدة تشمل أمريكا اللاتينية بأكملها أمرًا صعبًا.
وأضاف أن الحالة البرازيلية لها خصوصيتها، وأن العوامل المرتبطة بالأمن والاقتصاد والفساد ومستوى الثقة في المؤسسات كان لها وزن كبير في تحديد سلوك الناخبين.
وبحسب عاطف، فإن فهم نتائج الانتخابات في المنطقة يتطلب النظر إلى السياق الوطني لكل دولة، بدلًا من التعامل معها باعتبارها جزءًا من اتجاه إقليمي موحد، في ظل اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية وطبيعة المنافسة السياسية من بلد إلى آخر.
هل تمثل النتيجة هزيمة لترامب؟
وفي ما يتعلق بتأثير الانتخابات البرازيلية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفائه في أمريكا اللاتينية، قال عاطف إنه من الطبيعي أن تحظى الانتخابات البرازيلية باهتمام واشنطن، بالنظر إلى وزن البرازيل في أمريكا اللاتينية وفي النظام الدولي.
لكنه شدد على ضرورة عدم المبالغة في تفسير النتيجة باعتبارها مواجهة غير مباشرة بين لولا وترامب، موضحًا أن العلاقات الدولية تتضمن تأثيرات وضغوطًا متبادلة، لكن القول إن العامل الأمريكي حسم الانتخابات يحتاج إلى أدلة واضحة.
كما تحفظ على المقارنات التي تجعل كل نتيجة انتخابية في العالم بمثابة انتصار أو هزيمة لترامب أو لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرًا أن هذه قراءة سياسية مبسطة أكثر مما ينبغي، لأن لكل انتخابات سياقها الوطني وحساباتها الخاصة.
وتعكس هذه الرؤية ضرورة الفصل بين التداعيات الدولية المحتملة للانتخابات وبين العوامل الداخلية التي تحدد اختيارات الناخبين، وعدم افتراض أن نتائج الانتخابات في الدول المختلفة تتحرك بالضرورة وفق حسابات القوى الدولية أو مصالح قادتها.
الاستقطاب مستمر.. والاختبار يبدأ بعد الفوز
وحول مستقبل الاستقطاب السياسي في البرازيل، أكد عاطف أن فوز لولا لا يعني انتهاء الانقسام السياسي، بل إنه سيجد نفسه أمام معارضة قوية ومجتمع لا يزال منقسمًا، وبرلمان ستكون فيه عملية بناء التوافقات السياسية مسألة أساسية.
وأشار إلى أن ملفات الاقتصاد والأمن والعدالة الاجتماعية تمثل تحديات رئيسية أمام الرئيس البرازيلي، وهي ملفات لا يمكن التعامل معها من خلال الخطاب الانتخابي وحده.
وأضاف أن الاختبار الحقيقي أمام لولا يبدأ من الآن، موضحًا أن السؤال لا يتعلق فقط بكيفية فوزه في الانتخابات، وإنما بكيفية إدارته مرحلة ما بعد الفوز.
وطرح عاطف تساؤلات بشأن قدرة لولا على تخفيف الاستقطاب، وبناء تفاهمات مع القوى السياسية المختلفة، والاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية التي حضرت بقوة خلال الحملة الانتخابية.
واختتم بالتأكيد على أن هذه العناصر هي التي ستحدد في النهاية طبيعة المرحلة المقبلة، ليس في البرازيل فقط، وإنما أيضًا موقعها داخل المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية.