تحول الممر المائي الحيوى في البحر الأحمر وباب المندب إلى أحد أهم وأخطر مسارح التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط والعالم الصراع الذي انطلق في سياقه الإقليمي بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي، سرعان ما تحول إلى معركة مفتوحة تمس حرية الملاحة وتوازنات القوى وسلاسل الإمداد الدولية.
ولم يعد السؤال اليوم يدور حول من يسيطر عسكرياً بالمطلق على البحر الأحمر، بل بمن يمتلك القدرة على التأثير في حركة التجارة الدولية ورفع كلفة التأمين والشحن البحري.
معركة على شرايين الاقتصاد وحالة “عدم يقين” تُربك العالم
قالت الدكتورة مونيكا وليم، الباحثة في العلوم السياسية، في حديثه لـ”القصة”، إن باب المندب أصبح المسرح الأهم للتنافس الإقليمي والدولي بعدما تطورت المواجهة من حدودها اليمنية التقليدية إلى صراع استراتيجي يستهدف أمن التجارة العالمية وحرية الملاحة.
وأكدت مونيكا وليم أن المواجهة انتقلت تدريجياً من البر إلى البحر بفضل تنامي قدرات الحوثيين العسكرية في الصواريخ، والطائرات المسيرة، والزوارق غير المأهولة، ليصبح باب المندب الذي يعد بوابة قناة السويس ورقة ضغط اقتصادية وسياسية رئيسية.
وأوضحت الباحثة في العلوم السياسية أبعاد التحول الاستراتيجي في النقاط التالية:
قالت إن هدف الهجمات لا يرتبط بإغلاق البحر الأحمر كلياً نظراً لتكلفته العالية، بل بإيجاد حالة مستمرة من “عدم اليقين الأمني” تدفع الشركات لتغيير مساراتها ورفع أسعار التأمين للضغط على الخصوم والمجتمع الدولي، كما أكدت أنه لا يمكن فصل أحداث البحر الأحمر عن هرمز والخليج، مشيرة إلى اعتماد طهران على الحرب غير المتماثلة عبر حلفائها لتشكيل جبهات متكاملة تستهدف أمن الطاقة والتجارة.
وأضافت أن الأزمة شهدت تدويلًا واسعاً بوجود عسكري أمريكي وأوروبي لحماية الملاحة. وأكدت أن مصر تتأثر بشكل مباشر عبر قناة السويس، وتنظر لأمن البحر الأحمر كجزء لا يتجزأ من أمنها القومي، حيث تجمع القاهرة بين الجاهزية البحرية والتحركات الدبلوماسية للحد من الصراع.
واختتمت مونيكا وليم حديثه لـ”القصة” مؤكدة أن الأطراف تداركت خطورة الإغلاق الشامل، وتعتمد حالياً سياسة “إدارة التصعيد” واستخدام التهديدات كورقة ضغط سياسي دون الوصول لحافة الصدام العسكري الكلي.
الحوثيون لا يملكون الحصار الكامل والردع يتطلب تنسيقاً عربياً ودولياً
من جانبه، قال اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، في حديثه لـ”القصة”، إن البحر الأحمر تحول رسمياً إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، نظراً لأن أي تهديد للملاحة فيه ينعكس فوراً على أسواق الطاقة والسلع وسلاسل الإمداد العالمية.
وأكد اللواء سمير فرج أن الحديث عن سيطرة طرف واحد منفرد على البحر الأحمر هو أمر غير دقيق من الناحية العسكرية، موضحاً أن أمن الممر مرتهن بتوازنات وسياسات معقدة بين الدول المشاطئة والقوى الدولية، والوجود البحري الأمريكي والأوروبي والدور العربي.
وأضاف الخبير العسكري والاستراتيجي أبعاد المشهد الميداني في النقاط التالية:
قدرات جماعة الحوثي: أوضح أن الحوثيين لا يتملكون القدرة التشغيلية لفرض حصار بحري كامل ومغلق، لكنهم يمتلكون أدوات التهديد والإرباك كالمسيرات والصواريخ والزوارق المفخخة، وهو ما يرفع تكاليف التأمين والشحن.
تعزيز الوجود العسكري الدولي: أشار إلى أن استمرار التصعيد سيدفع القوى الكبرى لزيادة وحشد تواجدها العسكري والبحري في باب المندب والبحر الأحمر لحماية شريان التجارة العالمية.
الأمن القومي العربي: شدد على أن الحفاظ على حركة وحرية الملاحة بات جزءاً أسياسياً من منظومة الأمن القومي العربي.
واختتم اللواء سمير فرج حديثه مؤكداً أن منع تحول البحر الأحمر إلى بؤرة صراع مسلحة ومفتوحة يستلزم تنسيقاً أمنياً وعسكرياً على أعلى مستوى بين الدول العربية الشاطئية والشركاء الدوليين.