فرحة لا مثيل لها تعج بها شوارع مصر من أسوان إلى الإسكندرية، وكل المدن المصرية تحتفل، والسبب هو تأهل المنتخب الوطني إلى دور الـ16 لأول مرة في تاريخ كرة القدم المصرية منذ عام 1934. “مبروك يا مصر” دوّت في كل شارع، واحتفل الصغير والكبير وكأنه عيد نصر.
احتفالات في مصر والدول العربية بفوز المنتخب
ولم يقتصر الاحتفال على مصر فقط، بل شارك الجمهور العربي مصر فرحتها، بما فيهم أهل غزة من وسط الركام، بهتافات تتغنى بحب مصر، يقابلها من مصر والجمهور المصري والعربي المتواجد في الولايات المتحدة الأمريكية هتافات تحمل محبة وتضامنًا كبيرًا مع الشعب الفلسطيني، مما أثبت أن أم الدنيا قادرة على توحيد صفوف الوطن العربي.
ولكن هل كل هذه الفرحة والاحتفال الشديد، إلى درجة لافتة، هو جزء من الانتماء الوطني؟ أم أن الشعب المصري افتقد أسباب سعادته؟
ولكن لماذا شارك أشقاء مصر من الدول العربية في الاحتفال؟
مصر حاصلة على العديد من الألقاب، منها “أم الدنيا” و”أرض الكنانة”، بالإضافة إلى شعبها المضياف المعروف بكرم أخلاقه، مع الطابع الفني والانتماء الوطني الذي يظهر حتى في أغاني إعلانات شهر رمضان المبارك، مثل “إعلان بنك مصر” الذي جمع بين العسيلي وبهاء سلطان. ومنذ لحظة انطلاق الإعلان الذي لامس قلوب الجماهير، تبنى الجمهور المصري والعربي عبارة: “يا مصر بتعملها إزاي”.
هذا غير أن منتخب مصر هو أول منتخب عربي وإفريقي تطأ قدماه ملاعب كأس العالم في نسخته الثانية عام 1934 على الأراضي الإيطالية، بحسب أرشيف الاتحاد الدولي لكرة القدم “FIFA”. كما لُقب منتخب الفراعنة بـ”برازيل إفريقيا” بعد أن خاض ريمونتادا عالمية أمام منتخب البرازيل عام 2009.
حيث تقدمت البرازيل في الشوط الأول، ولكن منتخب الفراعنة قلب الموازين في الشوط الثاني بعد أن أحرز هدفين في دقيقة واحدة، وبعدها انتقلت المباراة إلى ركلات الترجيح، وفازت البرازيل بنتيجة (4-3)، إلا أنها كانت من أصعب المباريات التي خاضها منتخب البرازيل في تلك النسخة من البطولة، لذلك تُعد مصر أول من أوصل أصوات الجماهير العربية إلى العالم، وأول من اجتاح الملاعب العالمية.
فرحة ضمت الصغير والكبير.. والانتماء الوطني هو المفتاح الوحيد
المواطن المصري يظهر عظمته في الظروف الصعبة كما في الظروف الإيجابية. فعلى سبيل المثال، خلال حرب أكتوبر كان الشعب المصري ينزل يوميًا إلى المستشفيات لمساعدة الجنود المصابين، وكذلك في أوقات الانتصارات، كفوز المنتخب الوطني وتأهله إلى دور الـ16، كان الشعب المصري أمام الشاشات في الأندية والحدائق فرحًا بأداء منتخبهم، هكذا بدأت الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع السياسي بكلية التربية جامعة عين شمس، حديثها لـ”القصة”.
وتضيف أن الانتماء هو المحرك الأساسي لتلك الفرحة، حيث كانت الجماهير تصفق وتهلل بعظمة مصر وأبنائها. حتى أنا لست كروية كثيرًا، ولكن الظروف حتمت عليّ أن أصفق وأغني فرحة بمنتخبنا الوطني. بعد الفوز احتفل الشارع المصري وكأنه عيد، بفرحة كبيرة جدًا، وأنا شخصيًا كنت سعيدة جدًا، وكان الكبير والصغير في غاية السعادة.
وتشير إلى أن من أبرز المشاهد المفرحة التي تدل على حب الشعب المصري لبلده والأجواء المبهجة، رؤيتها الأطفال يلهون بأعلامهم ويتحركون أمام الشاشات وهم يتغنون باسم مصر وأسماء لاعبي المنتخب الوطني، والفتيات يصفقن مع الأهالي ويهتفن بأسماء لاعبي المنتخب ويتغنين بالأغاني الوطنية، وهذا يجعل كرة القدم والمنتخب الوطني من أهم الرموز التي توحد فئات المجتمع المصري.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الفوز وسط الأجواء المليئة بالانتماء والفرحة يرفع من اعتزاز الإنسان المصري بنفسه، ويزيد من تقديره لعظمة هذه الأرض وقيمتها، وأنها عرض لكل مواطن مصري. كما أن المصريين شعب عظيم قادر على أن يحظى بحب وتقدير أي شعب يسافر إلى بلده، ويتلقى رسائل ترحيب مثل: “أنت رجل عظيم” أو “أنتِ سيدة عظيمة”.
من جانبه، يقول الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، واستشاري الطب النفسي، في حديثه مع “القصة”، إنه لا توجد فرحة أو سعادة أكبر من تأهل المنتخب المصري، الذي يمثل المصريين، إلى دور الـ16 في كأس العالم لأول مرة في تاريخنا الكروي.
ويضيف أن صعود المنتخب الوطني إلى دور الـ16 يساعد في رفع روحنا الوطنية، وأن نخرج ما بداخلنا من مشاعر الانتماء، وأن نتوحد جميعًا وراء علم واحد، ونكون شعبًا واحدًا. فالانتصارات في كرة القدم واضحة، وقد تكون هناك إخفاقات في أشياء أخرى، وهذا لا ينفي شعورنا بالانتماء الوطني عند فوز المنتخب الوطني.
ويشير إلى أن وصول المنتخب الوطني إلى دور الـ16 سيساعد في تقدم الرياضة التي يحبها الشعب المصري، بالإضافة إلى تعزيز اهتمام عدد كبير من جماهير الوطن العربي.
ويختتم حديثه بالتأكيد أن احتفالات العرب في عدد من البلدان العربية تعود إلى أننا شعب واحد، ودين واحد، وأرض واحدة، مهما اختلفت الجنسيات. وحتى لو وجدت خلافات سياسية ظهرت بين بعض الأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن هذه الخلافات لن تتجاوز منصات التواصل، ولن تتمكن من التفرقة بين الشعوب. ففي الواقع، الشعوب العربية جميعها تكن المحبة لبعضها البعض، فجميعنا شعب واحد، في الأزمات نقف سويًا، وفي الأفراح نقف سويًا.
وبين فرحة المصريين وفرحة الأشقاء العرب، بقي علم مصر يرفرف فرحًا بتأهل المنتخب الوطني إلى دور الـ16 في معظم الدول العربية الشقيقة.