تواصل الحكومة برنامج إصلاح وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة، بالتوازي مع المضي في تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة وخطة التخارج من عدد من الشركات الحكومية. مؤكدة أن الهدف هو رفع كفاءة الإدارة، وتعظيم الاستفادة من الأصول العامة. كذلك توسيع مشاركة القطاع الخاص بما يدعم النمو الاقتصادي ويجذب المزيد من الاستثمارات.
بينما يثير هذا الإصلاح تساؤلات حول ما إذا كانت إعادة هيكلة الشركات خطوة لتطوير أدائها وزيادة كفاءتها، أم أنها تمهيد في بعض الحالات لطرحها بالكامل أو بيع حصص منها لمستثمرين؟
الشامي: خطوة في طريق البيع
أكد زهدي الشامي، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أن إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة تعتبر بالفعل خطوة في طريق بيعها.
وأضاف الشامي، في تصريحات خاصة، أن الدولة تسير في اتجاه التخارج وفق الخطة التي سبق الإعلان عنها للتخارج من أصول الدولة خلال ثلاث سنوات. مشيرا إلى وجود ضغوط لتنفيذ هذه الخطة، إلى جانب المراجعات مع صندوق النقد الدولي. ومؤكدًا أن الدولة مستمرة في هذا المسار.
ولفت الشامي إلى أن ما يحدث يسير في خطين، الأول هو تخارج الدولة من شركات القطاع العام. “وهي خرجت بالفعل من معظمها. وجرى خصخصة وبيع عدد منها لأطراف أجنبية. مثل شركة أبو قير للأسمدة، إلى جانب بعض البنوك والشركات المالية. وامتد إلى بعض أصول الدولة مثل الموانئ. وهناك تفكير في أن يشمل المطارات أيضًا. وهو ما تم الإعلان عنه أكثر من مرة”، حسب قوله.
وأضاف القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي أن الخط الثاني يختص بالشركات المملوكة للقوات المسلحة، مثل “وطنية” و”صافي”. وتابع: “لكن وضعها غير واضح بشكل دقيق. وإن كانت الخصخصة لا تمتد إلى هذا النوع من الشركات. بينما تشمل شركات القطاع العام القديمة”.
وأشار الشامي إلى أن بعض شركات القطاع العام جرت تصفيتها، مثل شركة الحديد والصلب. “بينما قامت بريطانيا خلال الأزمة الأخيرة في صناعة الصلب بإعادة تأميم إحدى شركاتها مؤقتًا. لأنها صناعة أساسية لا يمكن التفريط فيها”، حسب قوله.
ولفت الشامي إلى أن ما حدث في مصر هو تصفية النشاط، وبيع المعدات كخردة. كذلك تحويل الأرض إلى استثمار عقاري بدلًا من استثمار صناعي. رغم وجود عروض لتطوير الشركة وتحديثها دون أن تتحمل الدولة أي تكلفة.
وقال إنه يشعر بالحزن بسبب تصفية الأصول الإنتاجية للاقتصاد المصري. سواء بالتصفية أو بالبيع لأطراف أجنبية. معتبرًا أن صندوق النقد الدولي يضغط لاستكمال هذا المسار، من خلال طرح مزيد من الشركات التي لم تُخصخص أو تُصفَّ بعد.
صادق: تهيئة فنية وقانونية ومالية للطرح أو الشراكة
وفي السياق ذاته ،قال سعيد صادق، أستاذ علم الإجتماع السياسي، إن إعادة الهيكلة في الغالب خطوة على الطريق نحو بيع حصص أو تنفيذ خصخصة جزئية، لأنها تُهيئ الشركة فنيًا وقانونيًا وماليًا للطرح أو الشراكة.
وأضاف صادق، في تصريحات لـ”القصة”، أن إعادة الهيكلة ليست البيع في حد ذاته، لكنها تجعل عملية البيع أسهل وأكثر ربحية للدولة. كما تقلل من الجدل إذا نجحت أولًا في تحسين أداء الشركة. موضحا أن تنفيذ ذلك يعتمد على سرعة اتخاذ القرار السياسي، وجاذبية الشركات للمستثمرين، وظروف السوق.
وأكد صادق أن إعادة الهيكلة تستهدف أيضًا تحسين جاذبية الشركات للمستثمرين. مشيرًا إلى أن الشركات الحكومية غالبًا ما تعاني من مشكلات في الحوكمة، والديون، والهيكل الإداري، أو الشفافية المالية. ولافتا إلى أن إعادة الهيكلة، سواء كانت مالية أو إدارية أو قانونية أو فنية، تجعل الشركة أقرب إلى نموذج الشركات الخاصة. بما يسهم في تسهيل تقييمها، وزيادة ربحيتها، وتقليل المخاطر أمام المستثمرين. سواء في الطرح بالبورصة أو البيع الاستراتيجي.
رؤوف: الدولة لديها خطة للطروحات الحكومية
بينما قال الدكتور سمير رؤوف، الباحث الاقتصادي وخبير أسواق المال، إن إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة لا تعني بالضرورة أن تكون خطوة نحو بيعها، موضحًا أن الدولة لديها خطة للطروحات الحكومية، وأن هناك شركات جرى إعادة هيكلتها ثم طُرحت في البورصة، مثل الشركة المصرية للاتصالات.
وأضاف أن الشركة المصرية للاتصالات أُعيدت هيكلتها منذ عام 2005 من خلال البورصة. وأن الدولة تمتلك اليوم نحو 70% منها. بينما يمتلك باقي الأسهم مساهمون من الأفراد. مشيرًا إلى أنها تحولت من هيئة كانت متهالكة إلى صرح مصري، وأصبحت تستخدم أحدث التكنولوجيا المتاحة.
وأوضح رؤوف أن إعادة الهيكلة قد تكون إدارية أو مالية. لافتًا إلى أن هناك شركات مثل الحديد والصلب جرى تصفيتها لأنها كانت تحمل الدولة خسائر سنوية تُقدر بنحو 200 إلى 300 مليون جنيه. مضيفًا أن استغلال الأرض في نشاط آخر، مثل إنشاء “كومباوند سكني”، يحقق عائدًا ضريبيًا للدولة. كما يخلق أنشطة تجارية واقتصادية جديدة، بدلًا من استمرار الخسائر.
وأضاف أن هناك قطاعات يمكن بيع بعض شركاتها مرة واحدة. بينما تتم إعادة هيكلة شركات أخرى من خلال طرحها في البورصة. وتابع: “شركات الغزل والنسيج، بعد تحديث الماكينات والمعدات، جذبت شركات جاءت من تركيا وحولت أنشطتها إلى مصر. كما جذبت شركات مصرية للتصنيع”.
وأكد رؤوف أن إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة لها أكثر من منظور. فهناك شركات يتم طرحها في البورصة، وأخرى تُطرح لمستثمر من القطاع الخاص ليستحوذ عليها. بينما قد يقتصر الأمر في شركات أخرى على تغيير النشاط أو تطويره.
ترك: الحكومة لا تعلن خططها بشكل واضح
من جانبه، قال حسن ترك، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي، إنه لا يمكن الجزم بما إذا كانت إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة تمثل خطوة نحو بيعها أم أنها تستهدف تحويلها من شركات خاسرة إلى شركات تحقق أرباحًا من خلال تحسين الإدارة.
وأضاف ترك، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، أن إعادة الهيكلة يجب أن تتضمن آليات واضحة للمحاسبة. بحيث لا يحصل القائمون على إدارة الشركات على أي رواتب أو مكافآت إلا بعد تحقيق الأرباح.
وأشار ترك إلى أنه لا يمكن معرفة خطة الحكومة في هذا الملف. “لأن الحكومة لا تعلن بشكل واضح خططها المستقبلية. سواء بخصوص إعادة الهيكلة، أو ما إذا كانت المصانع ستشهد إضافة خطوط إنتاج جديدة أو تطويرًا لمنشآتها” حسب قوله.
وأكد رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي أن الصورة في هذا الخصوص لا تزال غير واضحة. موضحا أن هذا الغموض يثير القلق. وقال: “لا أحد يعرف إلى أين تتجه الأمور. وهل ما يجري هو إعادة هيكلة أم تمهيد للبيع كما حدث مع شركات ومصانع من قبل. منها مصنع المراجل الذي كان أحد المصانع التي قامت عليها الصناعة المصرية”.
وشدد ترك على ضرورة أن تتسم الحكومة بمزيد من الشفافية. وتوضيح الهدف من إعادة الهيكلة وما سيجري داخل هذه الشركات. مؤكدًا أن الشفافية في هذا الملف مطلوبة بشدة.