أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع عجز الميزان التجاري المصري بنحو 20.2% خلال شهر أبريل على أساس سنوي، ليصل إلى 4.8 مليار دولار، مقابل نحو 4 مليارات دولار في الشهر نفسه من العام الماضي.
وارتفعت قيمة الصادرات بنسبة 21.1% لتسجل 5.1 مليار دولار، فيما زادت الواردات بنسبة 20.7% لتبلغ 9.9 مليار دولار.
وأثارت هذه الأرقام تساؤلات حول مدى تأثير اتساع العجز التجاري على الاقتصاد المصري، وانعكاساته على الاستثمار والمؤسسات المالية، إلى جانب الأسباب التي دفعت إلى هذا الارتفاع.
أسباب ارتفاع عجز الميزان التجاري
في هذا السياق، أرجع الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية والخبير الاقتصادي، ارتفاع عجز الميزان التجاري إلى الفارق الكبير في القيمة الأساسية بين الصادرات والواردات، رغم تقارب معدلات نموهما.
وقال الشافعي، في تصريحات لـ”القصة”، إن الصادرات ارتفعت بنسبة 21.1% لتصل إلى 5.1 مليار دولار، بينما بلغت الواردات نحو 9.9 مليار دولار، وهو ما يعني أن أي زيادة متقاربة في النسب المئوية للطرفين تؤدي تلقائيًا إلى اتساع العجز بالقيمة المطلقة، ليرتفع من 4 مليارات إلى 4.8 مليار دولار.
وأكد أن هذه المفارقة تعكس مشكلة هيكلية مزمنة في الاقتصاد المصري، تتمثل في اتساع الفجوة الإنتاجية والاعتماد الكبير على الخارج لتوفير الاحتياجات الأساسية ومستلزمات الإنتاج، وهو ما يجعل الميزان التجاري شديد الحساسية لأي زيادة في الطلب المحلي.
وأوضح الشافعي، أن طبيعة الواردات المرتفعة تحمل دلالتين؛ فمن ناحية، تعكس الزيادة في استيراد المواد الخام، مثل النحاس بنسبة 84.1%، واللدائن بأشكالها الأولية بنسبة 16.3%، والحديد والصلب بنسبة 6.5%، تحسن النشاط الصناعي وعودة المصانع للإنتاج. ومن ناحية أخرى، فإن وصول فاتورة الواردات إلى نحو 10 مليارات دولار شهريًا، خاصة مع ارتفاع واردات السلع الاستراتيجية مثل القمح بنسبة 57.5%، يفرض ضغوطًا متواصلة على احتياطي النقد الأجنبي واستقرار سعر الصرف.
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن هذا الوضع يضع البنك المركزي والجهاز المصرفي أمام تحدٍ مستمر لتوفير السيولة الدولارية اللازمة لتغطية الاعتمادات المستندية، دون التأثير في الاحتياطيات الأجنبية.
وأشار إلى أن قطاع الحاصلات الزراعية تصدر قائمة القطاعات الأكثر نموًا في الصادرات، بعدما ارتفعت صادرات الفواكه الطازجة بنسبة 62.6%، تلاه قطاع المنتجات البترولية بنمو 44.8%، ثم الملابس الجاهزة بنسبة 30%.
وأضاف أن استمرار هذا النمو يظل مرهونًا بعدة تحديات، في مقدمتها تقلبات أسعار الطاقة العالمية بالنسبة للصادرات البترولية، إلى جانب ضرورة التغلب على مشكلات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، والعمل على زيادة المكون المحلي في الصناعات التصديرية لتقليل الاعتماد على الواردات.
ولفت إلى أن الحكومة ستواصل، على الأرجح، تطبيق سياسات تستهدف ترشيد الواردات غير الضرورية، ودعم الصناعة المحلية من خلال تشديد الرقابة على المواصفات القياسية، وتوسيع برامج توطين الصناعة وإحلال الواردات.
واختتم الدكتور خالد الشافعي، تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح هذه الإجراءات يتوقف على قدرتها على تجنب البيروقراطية وتعطيل الإنتاج، محذرًا من أن الإفراط في تقييد الواردات قد يؤدي إلى نقص مستلزمات الإنتاج، بما ينعكس سلبًا على قدرة المصانع على التصدير. وأكد أن الحل المستدام يتمثل في تقديم حوافز حقيقية للمستثمرين لتصنيع الخامات محليًا بدلًا من الاعتماد على الإجراءات الإدارية فقط.
هل يؤثر ارتفاع العجز التجاري على الاستثمار والمؤسسات المالية؟
قال الدكتور حسام عيد، خبير أسواق المال والاقتصاد، إن عجز الميزان التجاري يُعد أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصادات الناشئة، ومنها الاقتصاد المصري، لأنه يعكس الفجوة بين الواردات والصادرات.
وأضاف عيد، في تصريحات لـ”القصة”، أن بيانات البنك المركزي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت اتساع العجز التجاري بنسبة 24.6% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026، ليصل إلى نحو 47.8 مليار دولار، نتيجة ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من نمو الصادرات في بعض الفترات.
وأوضح أن المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنوك الاستثمارية، تنظر إلى العجز التجاري باعتباره مؤشرًا على الضغوط الخارجية، خاصة إذا صاحبه تراجع في الاحتياطيات الأجنبية أو زيادة في الديون الخارجية.
وأضاف خبير الاقتصاد، أن تقييم الوضع المصري يختلف نسبيًا، إذ توجد عوامل تحد من الآثار السلبية، أبرزها ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية إلى أكثر من 55 مليار دولار في يونيو 2026، وهو ما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
وأشار إلى أن استمرار نمو الصادرات، خاصة غير البترولية، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي، مثل مرونة سعر الصرف، وبرنامج الطروحات، وتحسين بيئة الأعمال، يدعم النظرة الإيجابية للاقتصاد على المدى الطويل.
وأكد أن ارتفاع العجز التجاري قد يمثل تحديًا قصير الأجل أمام جذب الاستثمارات الأجنبية، لكنه لا يلغي المقومات التنافسية التي تتمتع بها مصر، مثل الموقع الجغرافي، وكبر حجم السوق، واتفاقيات التجارة الحرة، وفرص التصنيع الموجه للتصدير.
وأضاف أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ومنها صفقة رأس الحكمة، تؤكد استمرار اهتمام المستثمرين بالسوق المصرية، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة، والصناعات التصديرية، والتكنولوجيا، موضحًا أن المستثمرين يركزون بدرجة أكبر على الإصلاحات الهيكلية ومعدلات النمو المستقبلية أكثر من تركيزهم على العجز التجاري المؤقت.
وأوضح أن ارتفاع الواردات يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والتضخم، وهو ما يضغط على أرباح الشركات المعتمدة على الاستيراد، مثل شركات مواد البناء والسيارات والسلع الاستهلاكية، كما قد يدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية، بما يقلل من جاذبية الأسهم مقارنة بأدوات الدخل الثابت.
ولفت إلى أن القطاعات المعتمدة على الاستيراد ستكون الأكثر تأثرًا، في حين تستفيد القطاعات التصديرية، مثل المنسوجات، والملابس الجاهزة، والصناعات الكيماوية، والأسمدة، والهندسية، والزراعية، والصناعات الغذائية، من تحسن القدرة التنافسية وزيادة الصادرات.
وأكد أن هذه القطاعات غالبًا ما تحقق أداءً أفضل في البورصة خلال فترات التوسع في التصدير، مشيرًا إلى أن أداء البورصة المصرية شهد تحسنًا في فترات سابقة مدفوعًا بالتحوط ضد التضخم وتقلبات العملة، إلا أن استمرار العجز قد يزيد من تقلبات السوق إذا لم يصاحبه تنفيذ إصلاحات اقتصادية فعالة.
وأضاف أن نمو الصادرات الحالي يسهم بالفعل في دعم موارد النقد الأجنبي، إلا أن استمرار ارتفاع الواردات، خاصة لتلبية احتياجات الصناعة والغذاء، يحافظ على اتساع العجز التجاري.
وأشار إلى أن الدولة حققت تقدمًا في إحلال بعض الواردات محليًا، مثل القمح والسيارات، إلا أن تحقيق توازن مستدام يتطلب تسريع وتيرة نمو الصادرات بمعدلات تفوق نمو الواردات، مع استمرار الاستفادة من إيرادات السياحة وقناة السويس وقوة الاحتياطيات الأجنبية.
وطالب بالتركيز على زيادة القيمة المضافة للصادرات، عبر التوسع في تصدير المنتجات المصنعة، مثل الملابس، والأغذية المصنعة، والصناعات الهندسية، والكيماويات، والأثاث، إلى جانب دعم المناطق الحرة والصناعات التصديرية، والاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة، مثل QIZ، والكوميسا، والاتحاد الأوروبي، والشراكات الأفريقية.
وأضاف أن قطاعات الطاقة المتجددة والمنتجات الصديقة للبيئة تمثل فرصًا واعدة، إلى جانب الاستفادة من موقع قناة السويس والموانئ المصرية لتقليل تكاليف النقل وتسريع عمليات التصدير، فضلًا عن برامج دعم الصادرات والحوافز الضريبية، بما يسهم في تحقيق مستهدف الوصول بالصادرات إلى 145 مليار دولار بحلول عام 2030.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن العجز التجاري يمثل تحديًا حقيقيًا، لكنه لا يحد من فرص الاقتصاد المصري، موضحًا أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز الصادرات، وزيادة القدرة التنافسية، كفيل بتحويل هذا التحدي إلى فرصة لدعم النمو الاقتصادي وجذب المزيد من الاستثمارات.
وبينما رأى الدكتور خالد الشافعي أن ارتفاع عجز الميزان التجاري يعكس مشكلة هيكلية مزمنة في الاقتصاد المصري، أكد الدكتور حسام عيد أن هذا العجز يمثل تحديًا يمكن التعامل معه عبر استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الصادرات. ويبقى التساؤل مطروحًا: هل تتحرك الجهات المعنية سريعًا لتطبيق هذه المقترحات قبل أن تتفاقم الضغوط الاقتصادية؟