أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

من الحبر السرّي إلى البث الحي.. تحولات الإعلام الفلسطيني بين مطارق الرقابة وسندان الإبادة

يُعدّ الإعلام في فلسطين أحد أهم أسلحة النضال وسندًا قويًا للثورة منذ بدايتها؛ فلم يكن الإعلام الفلسطيني، بمختلف أنواعه عبر التاريخ، مجرد ترفٍ مهني أو أداة لنقل الخبر، بل جسّد منذ أن وعى الفلسطيني جرحه مرآةً لوجوده، وسلاحًا لثورته، وشاهدًا على مأساته.

إن حكاية الصحافة الفلسطينية هي حكاية الأرض والإنسان والقضية؛ فحين تُقيَّد بالسلاسل تبتكر سبل الحرية، وحين تُحاصر بمقصّ الرقيب العسكري تخطّ الحقيقة بالدم. فمن الورق المهرّب تحت جنح الظلام في أزقة المخيمات، إلى الفضاء الرقمي المفتوح المصحوب بالدماء تحت دوي القذائف، ظل الإعلام الفلسطيني يقاوم الفناء. فمن نجيب نصار وعيسى العيسى، إلى غسان كنفاني وكمال ناصر، وصولًا إلى شيرين أبو عاقلة وأحمد أبو حسين، ثم مئات الشهداء الصحفيين في حرب الإبادة، ظل يعلن أن الكلمة قنبلة، والصورة توثيق، والصوت لا يموت، وأن الشاهد قد يسقط شهيدًا، لكن الحقيقة لن تُوارى الثرى.

معركة البيان السرّي (1987–1994)

أخبار ذات صلة

9a9a86de-6a2e-4905-883c-56fcd3fe7854
رئيس "مدينة بدر": طورنا محاور المدينة وأنهينا مخالفات "منطقة الزلزال"
file_00000000f30871fd93e067bb3c0be331
بعد تحذير التعليم.. هل "الهوم سكولينج" مخالف للقانون؟ وما مصير الطلاب؟
زين الدين زيدان
زيدان مديرا فنيا لمنتخب فرنسا عقب انتهاء كأس العالم

اندلعت الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة) في أواخر عام 1987، وحملت معها تحديًا إعلاميًا غير مسبوق في ظل غياب أي سيادة وطنية على الأرض. وفرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي رقابةً عسكريةً صارمة ومسبقة على الصحف العربية الثلاث الوحيدة المرخصة في القدس المحتلة: القدس، والفجر، والشعب، إلى جانب مجلة البيادر السياسي. وكان الرقيب العسكري يشطب عناوين كاملة، تاركًا مساحات بيضاء داخل الصفحات تعكس حجم القمع، وتتحول بدورها إلى رسالة بليغة للقارئ.

أمام هذا الحصار، ابتكر الفلسطينيون البيان الصحفي السرّي (المنشور) بوصفه أداة إعلامية وتعبوية رئيسية. وتولت القيادة الوطنية الموحدة في بداية الانتفاضة صياغة هذه البيانات، وطباعتها سرًا باستخدام آلات نسخ بدائية، ثم توزيعها ليلًا بواسطة ملثمين، لتحديد أيام الإضراب الشامل وتوجيه مسار المواجهات الشعبية.

وفي ظل غياب المحطات المحلية، ارتبط الوجدان الفلسطيني بالإذاعات العابرة للحدود، فكان الاعتماد على إذاعة القدس التابعة للجبهة الشعبية – القيادة العامة – من سوريا، وإذاعة صوت فلسطين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت تبث من بغداد ثم الجزائر. كما ظهرت نسخ محلية من صحف حزبية فلسطينية، مثل: الثورة مستمرة والاستقلال، إلى جانب القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) وإذاعة مونت كارلو الفرنسية.

أما التوثيق المرئي، فاقتصر على أشرطة الكاسيت والفيديو؛ إذ كانت أشرطة (VHS) توثق المظاهرات والأناشيد الثورية، وتتداول سرًا بين العائلات باعتبارها منشورات مرئية مهرّبة. كما جسدت المقاومة الشعبية رسائلها عبر عناوين تُكتب على الجدران باستخدام علب الطلاء (البخاخات)، تعلن من خلالها تعليمات القيادة أو تعبر عن الحالة الشعبية.

مأسسة الإعلام (1994–2000)

شكّل توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، نقطة تحول جوهرية في مسيرة الإعلام الفلسطيني؛ إذ اتجه نحو المأسسة والانفتاح العلني، وانتقل من طابع السرية ومواجهة الرقيب المباشر إلى فضاء العمل المؤسسي المرخص، والمستقل نسبيًا.

وخلال هذه الفترة، شهد الإعلام المكتوب ميلاد صحيفتين يوميتين بارزتين، هما: الأيام والحياة الجديدة، اللتان شكّلتا، إلى جانب صحيفة القدس، الأعمدة الثلاثة للصحافة الفلسطينية المكتوبة.

وعلى صعيد الإعلام المسموع والمرئي، صدر عام 1993 قرار رئاسي بتأسيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، لينطلق في عام 1994 بث تلفزيون فلسطين الرسمي وإذاعة صوت فلسطين من داخل الأراضي الفلسطينية لأول مرة.

وبالتوازي مع الإعلام الرسمي، ظهرت ظاهرة المحطات التلفزيونية والإذاعية المحلية، التي بثت عبر موجات (UHF/VHF) و(FM)، وانتشرت عشرات المحطات التجارية والأهلية في مختلف المدن، محققة ارتباطًا وثيقًا بالجمهور المحلي، ومقدمة هامشًا جديدًا من التعددية الإعلامية.

البث الفضائي والفضاء الرقمي (2000–2005)

اندلعت انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول عام 2000، وتزامنت مع ثورة البث الفضائي العربي، ليتحول الصحفي الفلسطيني من مجرد ناقل محلي إلى شريك في صياغة الرأي العام العربي والدولي. وبرز دور شبكات المراسلين التابعة للفضائيات العربية والدولية، وعلى رأسها قناة الجزيرة، التي نقلت على الهواء مباشرة اجتياح المدن الفلسطينية بالدبابات، وقصف المقار الأمنية، وحصار الرئيس ياسر عرفات في مقره بمدينة رام الله عام 2002، إلى جانب أحداث مفصلية أخرى.

وشهدت هذه المرحلة أيضًا البدايات الأولى للإعلام الحزبي؛ إذ ظهرت إذاعات حزبية، مثل صوت الأقصى والقدس والشعب، إلى جانب إذاعات مستقلة، منها صوت الحرية وصوت الشباب وصوت العمال، كما انطلقت فضائيات حزبية، مثل فضائية الأقصى وفلسطين اليوم.

وعلى صعيد الفضاء الرقمي، ظهرت الصحف والمجلات الإلكترونية، مثل فلسطين والاستقلال والهدف، كما وُلدت المواقع الإخبارية الفلسطينية الأولى لمواكبة سرعة الخبر العاجل، فبرز المركز الفلسطيني للإعلام والمواقع الحزبية الرسمية، وتأسست وكالة معًا الإخبارية ووكالة رامتان ثم الوطنية بوصفها شبكات إخبارية مستقلة، إلى جانب تطور وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” إلى البث الرقمي، وظهور وكالة صفا ووكالة سوا وغيرهما، معلنةً تراجع احتكار الصحافة الورقية لصالح الشاشة والفضاء الرقمي.

التعددية تحت وطأة الانقسام (2006–2023)

اتسمت هذه المرحلة بتعقيدات كبيرة؛ إذ عمّق الانقسام السياسي الفلسطيني عام 2007 الهوة في الخطاب الإعلامي، وحوّل جزءًا منه إلى منبر للاستقطاب السياسي، لكنه تزامن في الوقت نفسه مع طفرة تكنولوجية غير مسبوقة عالميًا.

وتراجع دور الصحافة الورقية التقليدية بصورة حادة، وتوقفت بعض الصحف عن الصدور ورقيًا، مكتفية بإصداراتها الإلكترونية، نتيجة الأزمات المالية وتغير أنماط استهلاك الجمهور للمحتوى الإعلامي.

وفي المقابل، برزت صحافة المواطن بقوة، وأصبح المواطن صحفيًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، بوصفها بديلًا سريعًا وواسع الانتشار. وتحولت منصات مثل فيسبوك وتليجرام وواتساب ومنصة X (تويتر سابقًا) وزيلو إلى مصادر رئيسية للأخبار العاجلة.

كما ظهرت شبكات إعلامية رقمية حديثة لا تمتلك مطابع أو استوديوهات بث تقليدية، بل اعتمدت بالكامل على صحافة الهاتف المحمول، وتقنيات الوسائط المتعددة (Multimedia)، والإنفوجرافيك. ومن أبرزها شبكة قدس الإخبارية ووكالة شهاب وبوابة الهدف، التي نجحت في تجاوز الحدود الجغرافية، وبناء قواعد جماهيرية تضم ملايين المتابعين في العالم العربي والإسلامي.

الإعلام في حرب الإبادة الجماعية (2023–2026)

أعادت حرب الإبادة المستمرة صياغة مفهوم العمل الصحفي عالميًا، عبر مشاهد غير مسبوقة من التضحية. فلم يعد الصحفي الفلسطيني مجرد مراقب يحميه القانون الدولي، بل أصبح هدفًا مباشرًا وممنهجًا في محاولة لطمس الحقيقة وإسكات الكاميرا.

وسجل الصحفيون الفلسطينيون نموذجًا استثنائيًا في التضحية؛ إذ قدموا مئات الشهداء والجرحى. ووفقًا لإحصاءات مركز الميزان لحقوق الإنسان، بلغ عدد الشهداء من الصحفيين والصحفيات في قطاع غزة 308 شهداء، فضلًا عن إصابة واعتقال العشرات، وتدمير مؤسساتهم ومقار وسائل الإعلام المختلفة، وهو ما يمثل أعلى معدل لاستهداف الصحفيين في تاريخ الحروب الحديثة مقارنة بالفترة الزمنية، إضافة إلى تدمير مئات مقار المؤسسات الإعلامية والقنوات الفضائية والإذاعات المحلية ومراكز التدريب الإعلامي.

كما مارست قوات الاحتلال الإسرائيلي سياسة عزل قطاع غزة عن العالم الخارجي عبر قطع الكهرباء والإنترنت والاتصالات عشرات المرات، ما دفع الصحفيين إلى ابتكار حلول بديلة، مثل استخدام الشرائح الإلكترونية (eSIM)، لنقل المواد الإخبارية من فوق ركام المنازل، ومن قلب القصف والانفجارات.

وأفرزت هذه الحرب ظاهرة “الصحفي المؤثر”؛ ففي ظل منع الاحتلال دخول الوفود الصحفية الأجنبية إلى قطاع غزة، تولى صحفيون شباب ومستقلون، عبر حساباتهم على إنستجرام وتليجرام وواتساب، أدوارًا مشابهة لوكالات الأنباء العالمية، ناقلين المأساة بلغات متعددة وصور عفوية. وعلى الرغم من بعض السلبيات التي صاحبت التجربة، وأسهمت في بروز أشخاص لا يستحقون الشهرة أو الصفة الصحفية، فإنها ساهمت في كسر كثير من السرديات الغربية المنحازة، وكشفت جانبًا واسعًا من المشهد الفلسطيني الدامي.

وفي مفارقة تاريخية، عندما غاب الإنترنت وتوقفت التغطية الرقمية بفعل القصف، عاد الراديو اللاسلكي ليصبح شريان الحياة الوحيد لأكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، وتحول أثير الإذاعات المحلية إلى بوصلة يومية ترشد النازحين إلى مناطق القصف والأماكن الأكثر أمانًا. وحتى بعد استهداف تلك الإذاعات وتدميرها مرات عديدة، عادت لتواصل إيصال صوتها إلى سكان القطاع.

إن مسيرة الإعلام الفلسطيني عبر ما يقرب من أربعة عقود تختزل ملحمة شعب بأكمله؛ فقد انطلقت من حبر المنشورات السرية المهرَّبة تحت الحصار، ومرت بأثير الإذاعات المحلية وأبراج البث الفضائي، وصولًا إلى الشاشة الرقمية الصغيرة المغموسة بالدم في غزة.

وأثبت الإعلام الفلسطيني، رغم استشهاد المئات من الصحفيين، وإصابة واعتقال آخرين، وتدمير مقار المؤسسات الإعلامية، والمحاولات المتواصلة لإسكات صوته وطمس الحقائق، أنه لم يكن مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل شريكًا في صياغة الهوية الوطنية وتعزيز مقومات البقاء، وعقيدة راسخة لا تنكسر ولا تنزوي.

وقد مارست قوات الاحتلال الإسرائيلي انتهاكات جسيمة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب باستهدافها الصحفيين والصحفيات الفلسطينيين بسبب عملهم المهني، وانتهكت بصورة صارخة حرية الصحافة، وتجاهلت أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما الحق في حرية الرأي والتعبير، وكذلك أحكام القانون الدولي الإنساني، وبخاصة البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف الأربع، فضلًا عن مخالفة القرارات الدولية الخاصة بحماية الصحفيين وحرية العمل الإعلامي.

وهدفت هذه الانتهاكات، وفق رؤية الكاتب، إلى إخفاء الحقائق وطمسها، وتغييب وسائل الإعلام عمدًا حتى لا يطّلع العالم على حقيقة ما يجري في الأراضي الفلسطينية، بالتزامن مع استمرار الحرب وما خلّفته من دمار واسع طال مختلف مظاهر الحياة في قطاع غزة.

وفي فلسطين، كلما اغتال الاحتلال عين كاميرا، وُلدت كاميرا أخرى في يد طفل أو صحفي شاب يواصل رواية الحكاية. وتؤكد هذه الحقيقة التاريخية أن القذائف والصواريخ قد تنجح في هدم الاستوديوهات، وتدمير الإمكانات اللوجستية، وقتل الأجساد، لكنها لن تنجح أبدًا في إبادة الرواية أو قتل الفكرة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

عصام سلامة
النظام العالمي في مهب الريح.. حينما تتحول الدبلوماسية إلى أداة للاستحواذ
مجلس النواب
سياسيون: تأخير "تداول المعلومات" مجهول الأسباب.. والحكومة هي المسئولة
المحامية لقا خلف
محاميات لـ"القصة": هيبة المهنة ترتبط بالوقار والالتزام.. ولا توجد قواعد خاصة لملابس النساء
الذهب
الذهب يسجل أرقامًا جديدة.. كم سعر عيار 18 اليوم؟

أقرأ أيضًا

ed1f0b3d-f139-435b-9ea9-b6a837c81317
عامُّ الظِّل: بص العصفورة أم فرصة دنشواي!
Screenshot_٢٠٢٦٠٧١٤_١٣٠٩٣٣_Google
"الحق في الدواء" ترحب بالمبادرة الرئاسية لدعم أطفال السكري وتطالب باستدامة توفير أجهزة القياس
9860b84b-fdc6-45d4-83a3-a41289e61e7a
الناتو من إسطنبول إلى أنقرة... هل تغير الغرب أم تغير العالم من حوله؟
محمد الباز
"الباز" يبدي "اعتذاره الشديد" عن تصريحاته بشأن حكم القضاء الخاص بوزيرة الثقافة السابقة