معذور من لا يعرفُ “عام الكف” و”عام الكفء” و”عام الكفر” ومظلومٌ أكثر من لا يعرف كتاب “رجال عرفتهم” للعقاد؛ أما العذر فلأن هذه كانت معارك أشعلتها الحشية والصحفيون المقربون من الخديوي عباس الثاني؛ بهدف إبعاد أحدهم عن معية الخديوي، أو تقرب مشعلها منه، وهو ما ذكره العقاد في القسم المعنون بـ “وراء التراجم والسير”، ومظلوم من يقرأ هذا الكتاب وصاحبه “حياة قلم” إذ فيهما سيرة الصحافة المصرية مذ عرفها العملاق، ورغم أنه قال في مقدمته إن الكتاب “حفلة استقبال اجتماعية لتحية الأعلام” فإنها كانت حفلة استقبال على غرار ما شاهدنا في “بريء” عاطف الطيب.
يكشف الكتاب عن رأي علي يوسف في مصطفى كامل: “الطائش” ويكشف أنهما كان من وسطاء بيع الرتب والنياشين للإنفاق على القضية الوطنية!
هاتفني الصديق علي عطا الشاعر والصحفي ومدير القسم الثقافي وكالة أنباء الشرق الأوسط قبل خروجه إلى المعاش والمحرر الثقافي لصحيفة الحياة في عصرها الذهبي؛ تطرق الحديث إلى قضايا ثقافية متعددة؛ منها موقف المثقفين من قضايا الإبداع وحرية الرأي، ومنها ما جرى حول “كاتب الظل” وهي قضية في نظره لا تستحق ما يثار حولها.
قلت لعلي: “نحن بحاجة إلى هذا النقاش الذي سيبدأ بنقطة مثيرة ثم يتعمق لفهم الظاهرة” قلت لعلي: “إن استثمر هذا النقاش فسيقودنا إلى تطوير صناعة النشر، وإلى إتاحة الفرصة في أن نلحق بصناعة مربحة لالتزامها بأدوات ضرورية” وتذكرت الفرضية التي ثبت صحتها في مقالي عن أدب نبيل فاروق وأحمد مراد وأحمد خالد توفيق: “هؤلاء الكتاب يوسعون قاعدة القراء، والبراعة في أن نوسِّع قاعدة المثقفين؛ فالكتابة التي يسمها البعض بالخفيفة تجذب قراء كثيرين، لن ينتقلوا بالضرورة إلى قراءة نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإبراهيم عبد المجيد وعمار علي حسن وعزت القمحاوي وسعد القرش، وهذا ليس دور هؤلاء الكتاب بل دور: دار النشر والوكيل الأدبي.
على “إندبندينت عربية” تحقيق صحفي بعنوان: “محررو الأعمال الأدبية يتمردون على دور “الكاتب الشبح” يتناول آراء المحررين ودور النشر في “المحرر الأدبي” ورغم أن التحقيق غير متوازن وغير موضوعي؛ إذ لم يضم رأي المؤلفين المؤيدين أو المعارضين، فإنه عرض نماذج تطبيقية في مصر، سبق هذا التحقيق(المسلوق) بسنوات مقال “المحرر الخفي” للشاعر عبده وازن صاحب ديوان (سراج الفتنة) يقول فيه: “ وفي إحدى الجلسات تحدث عنه بتواضع جم، وقال إن رفيقه هذا هو أول من يقرأ نصوصه أو بالاحرى مسوداتها، وله مطلق الحرية في تصحيحها والحذف منها والعمل عليها مع مشورته بالطبع. حتى الخطب التي يلقيها غراس يضعها أولاً بين يدي هذا «المراقب» ليمرّر قلمه عليها. وقال إن رواياته لا تخرج الى الضوء من دون ان يوافق رفيقه عليها. صدمت صراحة غراس هذه معظم الادباء العرب الذين شاركوا في اللقاء، فهو أصاب منهم النزعة النرجسية في الكتابة والصنيع الادبي والأنا المضخّمة التي لا تسمح للكاتب عادة أن يتنازل عن مرتبته متخلّياً عن أبّهته وخُيلائه“
في عام الظل الذي يبدأ تقويمه بلحظة تصريح المؤلفة المنتصرة نشرته صفحة “القاهرة 24” وعشرات المواقع ومئات الصفحات: “بعد انتصارها قضائيًا ضد وزيرة الثقافة واستقالة الأخيرة.. الكاتبة سهير عبد الحميد: “كاتب الظل هو اللص الحقيقي “ووفق تغطية “تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً أدبيًّا” في صحيفة الشرق الأوسط ذكرت إنتصار دوير: “ونشر عدد من الشخصيات العامة، من بينهم المخرج خالد يوسف، ما يشير إلى وجود «شخص آخر كان يقوم بمراجعة كتاب الوزيرة، وأن هذا الشخص ربما قام بإضافة فقرات دون علمها أو بعلمها، ولم تقدر حجم المشكلة» وفق ما ذكر عبر حسابه بـ«فيسبوك»، مؤكداً أن الوزيرة مسؤولة في الحالتين). [بالمناسبة يحتاج موقع الشرق الأوسط إلى مدقق لغوي فقد كُتب اسم المحررة (انتصار) بألف وصل، والقاعدة أنه تُقطع ألف المصدر الخماسي والسداسي إن أطلقا على عَلمٍ].
في عام الظل يثور كتاب لإيقاف الحديث والاكتفاء برحيل الوزيرة، وربما يصح هذا في غير هذه القضية؛ فنحن أمام إحدى الفرص التي يجب ألا تهدر؛ فلماذا لا يقيم اتحاد الناشرين ورشًا عن دور المحرر الأدبي، ولماذا لا ينظم المجلس الأعلى للثقافة مؤتمرًا حول “صناعة النشر الآن.. دراسة تطبيقية مقارنة”؟ هذه فرصة لوصل ما انقطع بيننا وبين العالم.. لصناعة حداثة كاملة لا تحديثات مرتبكة.. في النشر والثقافة والحياة عامة، وكما حاول رفاعة الطهطاوي وطه حسين استثمار فرصتهما الفرنسية، لماذا لا نحاول نحن؟
في عام “الكف” أراد علي يوسف أن يسخر من محمد المويلحي الذي صفعه صديق، وفي عام “الكفء” أراد المويلحي أن يرد الصفعة لعلي يوسف بتهييج الرأي العام لعدم كفاءة يوسف للزواج من بنت الشيخ السادات، وفي عام “الكفر” اعتبر الاثنان “مصطفى كامل” كافرًا بنعم الخديوي! ولو تجمع هؤلاء الثلاثة ومن معهم، حول قضية “استقلال مصر” لما امتد الاحتلال قرابة خمسين عامًّا..
في عام الظل ليست الحكاية فُلانًا بن مفلون، فظَنِّي أننا قادرون على الخروج من فخ التريند والحديث عن قشور الأشياء (للدرجة التي تدفع كتابًا كثيرين للتساؤل عن اسمٍ مطمور مغمور لم يعرفوهم من قبل ينكر علاقته بالموضوع) إلى ما فعله المثقفون في “حادثة دنشواي“؛ إذ اجتمعوا حول “كرامة بلدهم” ورغم سطوة الاحتلال وقوة وكلائه وتغلغلهم؛ فقد أعادوا لمصر توحدها الذي تجلى في هتاف ثورتهم بعدها بأعوام: “عاشت مصر حرة مستقلة”.