“كأنها ليلة من ليالي الحرب”.. هكذا قال لي صديقي الذي ما زال يعاند الموت في قلب مخيم جباليا شمال غزة، واصفاً ليلة ممعنة في السواد.
أجبته بقلب يدرك كنه المأساة: يا صديقي، هي وكل الليالي والنهارات كذلك؛ الحرب لم تضع أوزارها لتستأنفها، بل هي سيمفونية إبادة متواصلة لا يتغير فيها سوى الإيقاع.
نحن لا نعيش جولات من القصف، بل نعيش فصلاً ممتداً من جريمة الإبادة الجماعية التي تتخذ من التمويه غطاء لها. قد تتواري الجريمة خلف شعارات الهدنة أو المناطق الآمنة أو تخفيض التصعيد، لكنها في الحقيقة تغير جلودها فقط. فالقتل هو القتل، والموت يلاحق كل ما هو فلسطيني صامد فوق هذه الأرض متجذراً متشبثاً فيها، متخذاً صوراً تتراوح بين الانفجار الصاخب والصمت القاتل.
جغرافية الخط الأصفر؛ هندسة للقتل الصامت، ليس القصف المدفعي أو غارات الطائرات النفاثة والعمودية أو تلك التي تحوم كالموت دون طيار، هي من تكتب المحرقة وحدها، بل إن ما يسمى بالخط الأصفر –مناطق الترسيم والسيطرة الجديدة– بات مقصلة جغرافية ثابتة، فهناك حيث تتلامس حدود الصمود مع غطرسة السيطرة، يتحول إطلاق النار العشوائي والقنص الممنهج إلى روتين يومي يهدف إلى هندسة المساحة عبر تصفية الكائن البشري الفلسطيني.
إنها سياسة الأرض المحروقة التي تجعل من محيط مناطق السيطرة مناطق قتل محققة، لضمان عدم عودة الحياة فيها إلى طبيعتها أبداً.
ليلة أمس يا صديقي، دمر الاحتلال مربعاً سكنياً كاملاً في مخيم الشاطئ بعد تحذير منزل واحد؛ هذا ليس مجرد تدمير لمنشآت، بل هو محو للهوية المكانية، فإن التدمير الممنهج للمربعات السكنية والأعيان المدنية هو الأداة التنفيذية لسياسة التهجير القسري. هم لا يهدمون الجدران فحسب، بل يهدمون فكرة الاستقرار، ويجعلون البقاء في غزة ضرباً من المستحيل التقني، لتظل خطة التهجير ماضية في طريقها المرسوم، مغلفة بغبار الركام وصراخ الضحايا.
وفي شكل آخر من الحصار، تبرز السادية في أوضح صورها؛ حيث تتحكم قوات الاحتلال في جميع الشرايين الحيوية للقطاع، من رفح وكرم أبو سالم إلى بيت حانون، لا تمر كسرة خبز أو حبة دواء إلا بمزاجية إسرائيلية مطلقة.
لقد تحولت المعابر إلى أدوات تقطير للموت، حيث يدخل الغذاء والماء وفقاً لرغبة المحتل، وفي ذلك يكمن جوهر جريمة التجويع والتعطيش كوسيلة حرب ممنهجة.
إن العجز الدولي عن فرض إدخال المساعدات يثبت أن الرغبة الإسرائيلية هي القانون الفعلي السائد، بعيداً عن صخب المواثيق الدولية التي باتت حبراً على ورق.
يا صديقي، الحقيقة المرة هي أن الحرب لم تنته لأن أهدافها في محو الفلسطيني وتدجين وجوده ما زالت قائمة. التهجير قائم، والتجويع يتواصل بوتيرة تتلاعب بالأعصاب قبل الأجساد. نحن لا ننتظر انتهاء الحرب، بل ننتظر استيقاظ ضمير العالم من غيبوبته أمام إبادة قررت أن تتخفى خلف الشعارات لتمارس أبشع أنواع القتل بدم بارد.
وستظل الأرض لنا، وسيبقى الموت يلاحقنا لأننا أحياء، وأقوياء بما يكفي لنكشف زيف هذا العالم.