في السياسة الدولية، لا تحكي القمم قصتها الحقيقية في البيانات الختامية؛ فالبيانات تكتب ما يريد القادة أن يسمعه العالم، أما التاريخ فيكشف ما حاولت تلك البيانات إخفاءه.
ومن هذا المنطلق، أجد أفضل طريقة لفهم قمة الناتو الأخيرة في أنقرة ليست قراءة بيانها الختامي، ولكن بالعودة أكثر من عشرين عامًا إلى الوراء، وبالتحديد إلى قمة الناتو على نفس الأرض “إسطنبول 2004″، ووضع القمتين جنبًا إلى جنب، ثم النظر إلى ما جرى بينهما في مجموعة السبع، وفي العلاقات عبر الأطلسي، وفي ميزان القوى العالمي. عندها فقط ندرك أننا لسنا أمام قمتين، بل أمام قصة كاملة عن التحول الذي أصاب الغرب والنظام العالمي الذي يقوده.
حين انعقدت قمة حلف الناتو في إسطنبول عام 2004، كان العالم يعيش لحظة مختلفة تمامًا؛ الولايات المتحدة خرجت منتصرة من الحرب الباردة، وأسقطت نظام طالبان ثم نظام صدام حسين، بينما كان الغرب يتصرف بثقة المنتصر وزهوه الذي يعتقد أن التاريخ أصبح يسير في اتجاه واحد. في ذلك الوقت، كان السؤال الذي يواجه الناتو بسيطًا لكنه مصيري: ماذا سيفعل الحلف بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي؟
جاءت الإجابة في إسطنبول؛ لم يعد الناتو مجرد تحالف يدافع عن أوروبا، ولكن يتحول إلى لاعب أمني عالمي. توسعت عملياته خارج حدوده التقليدية، وأصبحت أفغانستان والعراق جزءًا من حساباته، وفي هذه القمة أُطلقت مبادرة إسطنبول للتعاون مع دول الخليج، في محاولة لبناء شراكة أمنية تمتد من البحر المتوسط إلى الخليج العربي. كان الحلف أشبه بشركة عملاقة فقدت المنتج الذي اشتهرت به لعقود، فقررت دخول أسواق جديدة حتى تضمن استمرار وجودها.
لكن الزمن لا يحترم الخطط الطويلة.
بعد أكثر من عقدين، انعقدت قمة حلف الناتو الأخيرة في أنقرة في عالم مختلف تمامًا؛ روسيا عادت خصمًا استراتيجيًا، والصين تحولت إلى منافس اقتصادي وتكنولوجي وعسكري، والشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة تتدخل فيها القوى الكبرى، بل أصبح أحد مفاتيح توازناتها، بينما فرضت الحرب في أوكرانيا، والتوتر مع إيران، وأزمات الطاقة، والسباق التكنولوجي، أجندة جديدة تمامًا على الحلف.
ولهذا جاءت قمة أنقرة محملة بملفات معقدة؛ من زيادة الإنفاق الدفاعي، إلى مستقبل دعم أوكرانيا، مرورًا بالشراكات مع الشرق الأوسط، والحضور الخليجي، واللقاءات التي عكست إدراكًا متزايدًا بأن أمن أوروبا لم يعد ينفصل عن أمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط. كما جاء انعقاد القمة في توقيت شديد الحساسية، بعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما جعل ملفات الردع والدفاع الجوي وأمن الممرات البحرية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ولم يكن المشهد البريطاني بعيدًا عن هذه التناقضات؛ فالجدل الداخلي حول الإنفاق الدفاعي، وما صاحبه من اضطرابات سياسية آخرها استقالة وزير الدفاع البريطاني اعتراضًا على الميزانية المخصصة للدفاع، عكس حقيقة أن رفع ميزانيات الدفاع لم يعد قرارًا عسكريًا فقط، بل أصبح قضية اقتصادية واجتماعية تمس دافع الضرائب الأوروبي مباشرة. الجميع يتفق على ضرورة تعزيز الأمن، لكن الاتفاق يتراجع عندما يحين وقت دفع الفاتورة.
وعلى هامش القمة، لفتت بعض اللقاءات والحضور الإقليمي الانتباه، وفي مقدمتها الحضور السوري ممثلًا في أحمد الشرع، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالشركاء الخليجيين في مشهد لا يختلف كثيرًا عن مشهد إسطنبول 2004 وحضور ذات الشركاء الخليجيين. وهذه التفاصيل لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل باعتبارها مؤشرًا على أن الناتو يعيد رسم شبكة علاقاته بما يتجاوز حدوده التقليدية.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بالحضور أو الغياب، بل بما تكشفه هذه القمة عن طبيعة الحلف نفسه. من يتابع النقاشات داخل الناتو يلاحظ انقسامًا استراتيجيًا يتجاوز الخلافات اليومية؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى الحلف باعتباره أداة عالمية لحماية المصالح الغربية، وقادرة على التحرك من أوروبا إلى آسيا والشرق الأوسط. أما عدد من القوى الأوروبية، فيميل إلى الإبقاء على الناتو كتحالف دفاعي إقليمي، يخدم أمن القارة أولًا، ويحذر من تحويله إلى شرطي للعالم.
وربما يكون هذا هو أخطر تحول داخل الحلف؛ فالخلاف لم يعد يدور حول حجم الإنفاق أو عدد القوات أو طبيعة التسليح، وإنما حول سؤال أكثر عمقًا: ما هي وظيفة الناتو في القرن الحادي والعشرين؟ هل هو تحالف للدفاع عن أوروبا؟ أم أداة لإدارة النظام العالمي؟ أم منصة لتنسيق المصالح الغربية في عالم متعدد الأقطاب؟ كل طرف يجيب بطريقة مختلفة، ولذلك تبدو البيانات الختامية أكثر تماسكًا من الواقع السياسي الذي سبقها.
ومن هنا، فإنني لا أرى أن أزمة الناتو هي أزمة هوية فقط، بل أزمة وظيفة. الحلف الذي ولد في عالم ثنائي القطبية، وحُددت مهمته بوضوح في مواجهة الاتحاد السوفيتي، يجد نفسه اليوم أمام قائمة طويلة من الخصوم والتهديدات المحتملة: روسيا، والصين، والإرهاب، والهجمات السيبرانية، وأمن الفضاء، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد. لكن كثرة التهديدات لا تعني بالضرورة وضوح المهمة، بل قد تعني العكس تمامًا؛ فحين يصبح كل شيء أولوية، يصبح من الصعب تحديد الأولوية الحقيقية.
وهنا يصبح الربط بين الناتو ومجموعة السبع ضروريًا؛ فعندما نقارن بين إيفيان2003 وإيفيان 2026 بعد أكثر من عشرين عامًا، نلاحظ النمط نفسه. في 2003 كان الغرب منقسمًا حول غزو العراق، لكنه كان يختلف وهو في ذروة قوته. أما اليوم، فإنه يحاول الحفاظ على تماسكه في وقت تتراجع فيه هيمنته النسبية، ويصعد فيه منافسون جدد، وتتعدد فيه مراكز التأثير الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي.
ومن إيفيان 2003 وإسطنبول 2004 إلى إيفيان وأنقرة 2026، ذلك هو الفارق الجوهري بين الغرب في الماضي القريب والغرب اليوم؛ في ذلك الوقت كان يختلف لأنه قوي، الاختلافات لم تبدأ اليوم، لكنها أصبحت أكثر كلفة. ولهذا فإن ما نراه داخل الناتو، نراه أيضًا داخل مجموعة السبع؛ البيانات تتحدث عن وحدة الصف، بينما تكشف المفاوضات عن أولويات وطنية مختلفة، وحسابات اقتصادية متباينة، ورؤى غير متطابقة لمستقبل النظام العالمي.
وهنا أصل إلى الفكرة التي أراها جوهرية؛ لا أعتقد أن قمة أنقرة أعلنت انهيار الناتو، كما يذهب بعض خصومه، ولا أنها أثبتت صلابته الكاملة، كما يروج أنصاره. لكنها كشفت أن الحلف، مثل كافة المؤسسات الغربية الكبرى، دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها يصنع النظام الدولي وحده، بل يحاول التكيف مع نظام عالمي يعاد تشكيله أمام عينيه.
إن الفرق بين إسطنبول وأنقرة، وبين إيفيان 2003 وإيفيان بعد أكثر من عقدين، يشبه الفرق بين قائد أوركسترا يقود جميع العازفين بإشارة واحدة، وقائد آخر لا يزال يقف في المكان نفسه، لكن كل عازف أصبح يسمع إيقاعًا مختلفًا.
الأوركسترا لم تتوقف عن العزف.. لكن اللحن لم يعد واحدًا.
وربما يكون هذا هو الوصف الأدق للحظة التي يعيشها الغرب اليوم؛ فالقضية ليست أن الغرب أصبح ضعيفًا، ولا أنه ما زال مهيمنًا كما كان، القضية أن العالم تغير بسرعة أكبر من قدرة مؤسساته على التكيف معه. والتاريخ يعلمنا أن المؤسسات لا تنهار عادة في اللحظة التي تفقد فيها قوتها، بل في اللحظة التي تعجز فيها عن فهم العالم الجديد الذي نشأ من حولها.