في المشهد الجيوسياسي المعاصر، بات من الواضح أننا لا نشهد مجرد تغير في تكتيكات البيت الأبيض تحت إدارة دونالد ترامب، بل نحن أمام كشفٍ كامل عن بنية الفكر الاستراتيجي الأمريكي الذي يرى العالم كـ “ساحة نفوذ” وفقط، لا يحكمها قانون دولي بل تحكمها “إرادة القوة”.
إن هذه السياسة التي تتسم بضربات استباقية في جوهر الثقة الدولية، تضع النظام العالمي بأسره أمام “استحقاق وجودي”، يذكرنا بالأحداث التي تسبق الاضطرابات الكبرى، حيث يظهر من يدعي قيادة العالم بمظاهر تتجاوز المنطق، وتتجه نحو فرض واقعٍ استعلائي لا يعترف بحدود أو سيادات، وهو واقعٌ يعيد إلى الأذهان الأمبراطوريات القديمة التي سعت إلى فرض “السيطرة المطلقة” على الأرض والممرات.
ثنائية المفاوضات والنيران
لقد دأبت الإدارة الأمريكية على اتباع نهجٍ بات معروفاً، التلويح بغصن الزيتون في قاعات المفاوضات، بينما تشير “عقارب الساعة العسكرية” إلى اتجاه معاكس تماماً. إن خرق مذكرة التفاهم مع إيران بشأن المسار الملاحي في مضيق هرمز، من خلال العمليات العسكرية أثناء فترة التفاوض المحددة بـ 60 يوماً، ليس مجرد “خطأ تكتيكي”، بل هو تجسيد لسياسة النيران من وراء ستار المفاوضات.
هذا النهج يصنع تآكل الثقة، بحيث تصبح الوعود الأمريكية أوراقاً لا قيمة لها، وتصبح المفاوضات مجرد وسيلة لاستهلاك الوقت وتثبيت الأمر الواقع عسكرياً قبل نضوج أي تسوية، إن هذا التلاعب بالاتفاقيات يجسد نهجاً يسعى لإخضاع الخصوم عبر استنزافهم في دهاليز الدبلوماسية بينما يتم ضربهم في الميدان، مما يجعل من المصداقية الأمريكية خرافة في عالم يدرك الآن أن التوقيع على ورقة لا يعني الالتزام بها.
ازدواجية المعايير من أعالي البحار إلى جباية المضيق
إن قمة التناقض تظهر في الموقف من مضيق هرمز، فبعد أن استندت الإدارة الأمريكية إلى اتفاقية “أعالي البحار” لمعارضة سيادة إيران على مياهها الإقليمية ورسومها الملاحية، انقلبت الآية لتعلن واشنطن اعتزامها فرض رسوم بنسبة 20% على الحركة النفطية العابرة من المضيق، إن هذا التحول يعكس تضخماً في مفهوم “الذات السيادية” حيث ترى أمريكا أنها تملك الحق في فرض قوانينها، في محاكاة لأساليب القوى التي تسعى لترسيخ هيمنة مطلقة.
هنا، يظهر ترامب الذي وضع توقيعه على ورقة المائة دولار، وصورته على جواز السفر، متنصباً كحاكمٍ لفنزويلا، ليطلق على نفسه مسمى “حارس المضيق”، إن هذا السلوك يشي بذهنية تتصرف وكأن العالم بأكمله تحت إدارتها، وتلبي رغباتها حصراً.
إنه نهج “الاستحواذ الكلي” الذي لا يرى في المضيق ممرّاً دولياً، بل يراه مورداً خاصاً يقع تحت إمرة حارس يرى نفسه فوق الجميع، في استعراض قوة يتجاوز حدود السياسة إلى التباهي بالقدرة على التحكم في شرايين الطاقة العالمية.
الوجه الحقيقي للولايات المتحدة
ما يفعله ترامب ليس خروجاً عن ثوابت السياسة الأمريكية، بل هو “إعلان صريح” عن طبيعتها، فبينما كانت الإدارات السابقة تغلف هيمنتها بعبارات القانون الدولي والحرية، جاء هذا العهد ليزيل تلك الأقنعة.
إن تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حول “الجنائية الدولية” وتشكيل حلف لإنهاء عملها، واعتبارها أداة تحارب أمريكا بقوة القانون، هي اعتراف فاضح بأن القانون الدولي لا قيمة له إلا بقدر ما يخدم المصلحة الأمريكية.
إن واشنطن، بهذا المنطق، تضع نفسها في مكانة المتعالي فوق القانون، فهي تحاسب العالم من خلال القوانين الدولية، لكنها ترى في استخدام هذه القوانين ضدها حرباً غير مشروعة، هذا الاعتراف الفاضح يضع النقاط على الحروف: أمريكا لا تلتزم بقواعد، بل تضع قواعد للآخرين لتكبيلهم بها، بينما تحصن نفسها ضد أي مساءلة، إن هذا السلوك هو التجسيد المادي لسياسات “الاستكبار” التي حذرت منها التجارب التاريخية والأدبيات الرمزية عبر العصور.
هل نحن أمام نهاية عصر القواعد؟
إن هذا المسار يعزز القناعة بأن العالم مقبل على استقطاب حاد، حيث لم يعد هناك مجال للمناورة الدبلوماسية التقليدية. إن هذه السياسات تدفع الدول لتبني استراتيجيات “البقاء والتحصن”، فالتاريخ علمنا أن القوى التي تتجاوز حدود المنطق وتتحدى السنن الدولية وتتلاعب بالوعود، تنتهي بوضع نفسها في مواجهة مع حقائق الأرض والشعوب.
إننا أمام مشهد يتجاوز التحليل السياسي السطحي، ليمس جوهر النظام القيمي الذي يحكم العالم. إن الانكشافية التي يعمل بها ترامب تظهر أن النظام الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية قد تآكل من الداخل على يد صانعيه، إن التهديد الذي يمارسه “البيت الأبيض” ليس فقط عسكرياً أو اقتصادياً، بل هو تهديد للحق والعدالة.
وبينما تتجه الأنظار نحو الصراعات الجارية في الممرات الحيوية، يبدو أن “البشرية” تقف على أعتاب مرحلة جديدة تتطلب وعياً استراتيجياً عميقاً، مرحلة لا يمكن فيها للمرء أن يطمئن لأي “مذكرة تفاهم” في ظل إدارة لا تؤمن إلا بلغة القوة، وترى في العالم مجرد مساحة لاستعراض نفوذها.
إن هذه التصرفات من فرض الرسوم الأمريكية على المضيق إلى محاربة المؤسسات الدولية، تؤكد أننا أمام إدارة تعيد صياغة مفاهيم السيادة والشرعية وفق مقاساتها الشخصية، وهو أمر يسرع من وتيرة “انحسار الثقة” العالمية بالنموذج الأمريكي، وتدفع العالم نحو البحث عن بدائل تحمي سياداتها من تغول “حارس العالم” المفترض.