فتحت العاصمة القطرية الدوحة أبوابها مجدداً لاستضافة وفدي الولايات المتحدة وإيران، في جولة مفاوضات جديدة تأتي وسط ترقب إقليمي ودولي واسع.
وتطرح هذه الجولة تساؤلات جوهرية حول ما تغير هذه المرة، وطبيعة الضغوط العسكرية والاقتصادية التي دفعت الطرفين للجلوس إلى الطاولة، وحظوظ النجاح مقارنة بالماضي.
ما الذي تغير هذه المرة؟ ولماذا التفاوض الآن؟
أكد الدكتور هاني الجمل نائب مدير مركز تفكير للدراسات والشؤون السياسية، أن هذه الجولة تشهد تغيرات واسعة و جوهرية أبرزها أن الطرفين يتحركان الآن في إطار “اتفاق إطاري” وليس في حالة تنازع مفتوح كما كان في السابق.
وأوضح الجمل لـ”القصة” أن العودة إلى طاولة الدوحة تمثل مرحلة بالغة الأهمية لتثبيت الهدنة ومنع ارتفاع أصوات البنادق و الاشتكاكات التي شهدتها الساعات الماضية، مشيراً إلى وجود رغبة حقيقية متبادلة للوصول إلى سلام دائم وتهدئة الموقف في منطقة الخليج والشرق الأوسط على حد سواء.
وكشف نائب مدير نائب مدير مركز تفكير للدراسات والشؤون السياسية، عن وجود فريق من التقنيين والفنيين من الطرفين، مما يؤكد أن هذه الجولة تسعى لوضع الخطوط العريضة لتحويل الاتفاق من مجرد “حبر على ورق” إلى آليات عملية يمكن تنفيذها على أرض الواقع، وخلق ديناميكية حركية تؤثر إيجاباً على الملفات الشائكة.
هل تغيرت شروط الطرفين؟ وملف “الأموال المجمدة” أولاً
وفيما يتعلق بالشروط، قال الجمل إن الشروط الراهنة لم تتغير جوهرياً حتى الآن، لكنها تمر بمسار “تسهيل و تسييل” على أرض الواقع.
وأشار إلى أن إيران تبدي اهتماماً كبيراً بتقديم ملف الأموال المجمدة على حساب الملف النووي، خاصة بعد الضرر البالغ الذي أصاب اقتصادها جراء الحرب وتعطيل الحصار البحري الأمريكي لـ “أسطول الظل” المخصص لتهريب النفط الإيراني.
وأضاف الخبير السياسي أن طهران تسعى عبر هذه المفاوضات للضغط على إدارة ترامب للإفراج عما يقرب من 24 مليار دولار بحصص مختلفة، لتؤكد لداخلها الإيراني نجاح المفاوضات، لافتاً إلى أن أمريكا أعلنت اشتراطها أن تنفق هذه الأموال فقط لشراء أغذية من المتاجر الأمريكية، وهو ما تحاول إيران التفاوض حوله وتوظيفه بشكل مختلف.
كما أوضح الجمل أن الملف النووي تم تأجيله في الوقت الراهن لأنه ملف طويل ومعقد يحتاج إلى تقنيين لمعادلات مختلفة ترتبط بصيغة 5+1، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وشركات التفتيش. بدلاً من ذلك، يتم التركيز حالياً على ملفات أقل صعوبة ولكنها حاسمة:
- الملف الاقتصادي: ويأتي في المرتبة الأولى كأولوية قصوى للجانبين.
- العبور الآمن في مضيق هرمز: حيث يتم بحث مسارين؛ مسار دولي يحمي شركات التأمين، ومسار تحاول إيران تحديده لتقديم خدمات ولوجستيات تحصل مقابلها على أموال.
- مشاركة دول الخليج: بحث ضمانات أمريكية بعدم تكرار الضربات الإيرانية لدول الخليج ومشاركتها القوية في التفاهمات لضمان أمن المنطقة وسلاسل الإمداد.
- ملف لبنان والنفوذ الإقليمي: ترتبط المفاوضات بالوضع في لبنان والتصعيد الإسرائيلي، بهدف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وإخراج حزب الله من معادلة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية، وهو ما يمثل محاولة لقص أجنحة النفوذ الإيراني في المنطقة.
كما شدد الجمل على أن البُعد الاقتصادي والعسكري كان القاطرة الرئيسية للتقارب بين الطرفين بفعل الإنهاك المتبادل وذلك من خلال النقاط التالية:
- أمريكا مأزومة في الداخل: تعاني إدارة ترامب من إنهاك عسكري طويل، حيث أقر الكونجرس بأن 50% من ميزان الأسلحة الأمريكي تأثر بشكل كبير، مما وضع كفاءة واشنطن في تسليم صفقات السلاح للخليج والدول الحليفة على المحك وهدد سمعة السلاح الأمريكي.
- تضرر الهيبة الدفاعية: عجزت أنظمة الدفاع الأمريكية “سواء في إسرائيل أو غيرها” عن التصدي الكامل للصواريخ الباليستية الإيرانية التي أصابت قواعد أمريكية في الخليج، مما جعل السمعة والحماية الأمريكية على المحك، و أضر بسلاسل الإمداد ومصالح دول الخليج ومشاريع مثل “حزام الطريق” الصيني.
- حاجة ترامب لانتصار سري: تسعى إدارة ترامب لتحقيق انتصارات سياسية سريعة لتحسين ظروفها البنيوية في الانتخابات القادمة.
فرص نجاح الجولة الحالية مقارنة بالسابق
وفي ختام حديثه، أكد هاني الجمل أن فرص نجاح الجولة الحالية “عالية جداً” وبنسبة أكبر مما كانت عليه في السابق، معللاً ذلك برغبة الطرفين القوية في إنجاز نجاحات ملموسة، بالرغم من التشدد الإعلامي الذي يبديه كل طرف لإظهار أنه يمسك بزمام المبادرة أمام رأيه العام المحلي.
واختتم الجمل، بالقول إن إيران استطاعت في هذه الجولة انتزاع اعتراف أمريكي بقدرتها على التفاوض المباشر والندي، والحصول على تنازلات أمريكية لم تكن لتحظى بها لولا الصمود الإيراني الراهن، مما يجعل هذه التفاهمات المبدئية خطوة جادة نحو التسوية.