“معرفش.. محدش بلغني”.. بهذه الكلمات برر الدكتور هاشم السيد غيابه عن اجتماع اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، بينما عبر النائب محمد فؤاد عن غضبه بعد غياب ممثلي الحكومة عن ذات الاجتماع فقال: “إن لم تكن هذه هي المهانة.. فما هي المهانة؟”
لم تكن هذه الواقعة الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، إذ يكشف تتبع أعمال مجلس النواب خلال الفنرة الأخيرة عن نمط متكرر من غياب الوزراء والمسؤولين عن جلسات الرقابة البرلمانية، مقابل تراجع مناقشة الطلبات.
في 21 من يونيو الماضي، اعترض الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، على عدم حضور وزير التموين والتجارة الداخلية اجتماع اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، والاكتفاء بحضور عدد من مساعدي الوزير، مؤكدًا أن خطورة الملف وحساسيته لا تسمح بمناقشته في غياب المسؤول السياسي الأول عن الوزارة.
وقال البياضي خلال الاجتماع: “إذا كان طلب إحاطة يمس حياة نحو 70 مليون مواطن، أي أكثر من نصف سكان مصر، لا يستوجب حضور الوزير، بل ورئيس الوزراء إلى البرلمان، فمتى يحضرون؟”
وفي 22 من يونيو الماضي أيضًا، انتقد النائب شادي الكومي تغيب الوزراء عن حضور الجلسات والاجتماعات البرلمانية المهمة، خاصة تلك التي تناقش قضايا تمس المواطنين مباشرة وتشهد تقديم عدد كبير من طلبات الإحاطة من النواب.
وقال: “المفترض الوزير يحترم طلب الإحاطة ويحضر بنفسه.. ليه الحكومة بتدينا مسكنات؟ وترسل مسؤولين مع احترامنا لهم ليسوا أصحاب قرار.”
وفي 16 من يونيو الماضي، شهدت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب تأجيل مناقشة طلبات الإحاطة المقدمة بشأن أوضاع حملة الماجستير والدكتوراه، وذلك بسبب غياب كل من وزير المالية ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة عن حضور الاجتماع المخصص لمناقشة الملف.
وفي 1 من يونيو الماضي وافقت لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، خلال اجتماعها اليوم الاثنين، على مشروع الموازنة وموازنة البرامج والأداء لديوان عام وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة للسنة المالية 2026- 2027 وسط غياب المهندسة راندا المنشاوى وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية بسبب اعتذارها عن عدم الحضور.
وفي 21 من أبريل الماضي، انتقد النائب حسين هريدي، عضو مجلس النواب غياب ممثلي الحكومة عن مناقشة طلب الإحاطة الذي تقدم به بشأن شبهة تعارض المصالح في بعض المناصب التنفيذية، مؤكدًا أن عدم حضور الجهة المختصة يُضعف من جدية النقاش ويُفرغ الدور الرقابي من مضمونه.
وأبدى النواب استياءهم من غياب المسؤولين المعنيين عن حضور المناقشات، معتبرين أن ذلك يعطل الوصول إلى حلول عملية ويؤخر الاستجابة لمطالب شريحة كبيرة من الشباب المؤهل علميًا.
وأكد هريدي أن الاكتفاء بحضور ممثلي الهيئة العامة للرقابة المالية، رغم أهميته الفنية، لا يُغني عن وجود الحكومة، باعتبارها الطرف المسؤول عن إصدار قرارات التعيين محل التساؤل، مشددًا على أن الرقابة البرلمانية تستهدف مساءلة من يمتلك سلطة اتخاذ القرار.
لم يكن وصف النائب محمد فؤاد لغياب ممثلي الحكومة عن اجتماع اللجنة الاقتصادية بـ”المهانة” إلا تعبير عن غضبه الصريح مما حدث، فيقول في تصريح خاص لـ “القصة”: في يوم برلماني عادي داخل اللجنة الاقتصادية، كان من المقرر مناقشة أربعة طلبات إحاطة تتعلق بملفات اقتصادية بالغة الأهمية، من بينها سياسة ملكية الدولة، ومدى اتساق الخطة الاقتصادية متوسطة المدى مع احتياجات المواطن والقيود التمويلية والتحديات المؤسسية، إلى جانب اتساع فجوة الادخار المحلي وتراجع قدرة الاقتصاد على تمويل الاستثمار من موارده الذاتية وما يترتب على ذلك من ضغوط على المواطن، فضلًا عن ملف بنك الاستثمار القومي”
وأضاف أن مجريات الجلسة جاءت مختلفة عن المتوقع، حيث ورغم التأكيد على حضور الجهات والوزراء المعنيين، لم يحضر أي منهم لمناقشة الملفات الثلاثة الأولى، وهو ما أدى عمليًا إلى تعذر مناقشتها وتأجيلها، مؤكدًا أن ما حدث أمر مؤسف، مشيرًا إلى أن هذه الملفات ليست قضايا هامشية، بل ترتبط بشكل مباشر بكيفية إدارة الاقتصاد المصري ومستقبل السياسات الاقتصادية للدولة.
وأوضح أنه في الوقت الذي يُتحدث فيه باستمرار عن أهمية الحوار والاستماع إلى الرؤى المختلفة والبحث عن حلول للتحديات القائمة، فإن الحد الأدنى لتحقيق ذلك هو حضور الجهات المسؤولة لمناقشة هذه الملفات تحت قبة البرلمان.
وشدد على أن الدور البرلماني لا يكتمل إلا بوجود الطرف التنفيذي، وأن احترام البرلمان يبدأ من احترام أدواته الرقابية والتفاعل الجاد معها، لافتًا إلى أن ما حدث لا يعكس مستوى الجدية الذي تستحقه هذه القضايا، مؤكدًا أن ما جرى لن يمر مرور الكرام، مشيرًا إلى تحميل وزارة شؤون المجالس النيابية مسؤولية هذا الخلل.
وفي السياق ذاته ، قال هلال عبد الحميد، الخبير البرلماني أن الأدوات الرقابية التي يستخدمها النواب،مثل الاسئلة او طلبات الإحاطة أو المناقشة، لا تحقق نتائج ملموسة وخاصة في القضايا ذات الطابع العام.
وأوضح أن مايتحقق في بعض الحالات يقتصر على حلول محدودة المشكلات محلية أو جزئية، بينما تظل الملفات الكبرى ذات التأثير العام دون تنفيذ فعلي رغم تكرار طرحها عبر دورات برلمانية متعاقبة.
وأضاف أن من أبرز الأمثلة على ذلك تناول النواب بكثرة مشكلة المعلمين المتمثلة في تثبيت أساسي مرتباتهم على ٢٠١٤ ،مع استمرار الخصم منهم وفق السنة الحالية، مشيرًا إلى أن هذا الملف لم يتم الاستجابة له خلال سنوات طويلة.
ولفت إلى تكرار الملاحظات البرلمانية بشأن الموازنة العامة لسنوات طويلة بسبب عدم توافق ما يرصد للتعليم ما قبل الجامعي والجامعي والصحة والبحث العلمي مع مانص عليه الدستور، وكل سنة تتكرر نفس المطالبات وتكرر الحكومة نفس تجاهلها،وفي لجان كثيرة لا يحضر النواب ويظل النواب يتحدثون مع أنفسهم دون أي استجابة.
وأكد أن عددا كبيرا من النواب تقدموا بمشروعات قوانين خاصة بالمحليات لسنوات طويلة دون استجابة من الحكومة، وكذلك الاستحقاق الدستوري الخاص بالعدالة الانتقالية ، إلى جانب قانون الاجراءات الجنائية،التي ظلت محل نقاش وانتقاد دون قرار نهائي،مشيرًا إلى أن آلية المحاسبة البرلمانية، وفي مقدمتها حق الاستجواب، وسحب الثقة، وإقالة الحكومة أو أحد وزرائها فهي آلية معطلة، مما يجعل الوزراء في حالة اطمئنان،وأضاف مستخدما المثل الشعبي:”حاطين في بطنهم بطيخة صيفي”.
ويؤكد أن النواب والوزراء والمواطنون يعرفون طبيعة المشهد المرتبط بالانتخابات، موضحا أن القوانين المنظمة لها سواء القائمة المطلقة المغلقة أو نظام الدوائر الفردية العابرة للحدود، إضافة إلي طريقة اختيار المرشحين، والتي أصبحت لها آليات لا علاقة لها بالديمقراطية ولا النزاهة فتفرز مجالس كما نراها ولن ينصلح الحال الا بإجراء انتخابات وفق نظام انتخابي عادل يعتمد على القائمة النسبية.
واختتم بأن الوضع الحالي يظل قائما بين تقديم النواب طلبات الإحاطة والأسئلة دون استجابة من الوزراء ،مع ظهور إعلامي محدود “يطلع النواب يقولوا كلمتين في الإعلام” ، ويظل الحال على ما هو عليه، مشيرا إلى أن اللجوء إلى القضاء هو الحل البديل،على الرغم من عدم ضمان تنفيذ الأحكام في بعض الحالات.