في عالم تعاد فيه صياغة موازين القوى الكبرى، لم تعد العلاقات بين واشنطن وبكين وموسكو مجرد ملفات دبلوماسية تقليدية، بل تحولت إلى معركة نفوذ تحدد شكل النظام الدولي القادم، لكون الولايات المتحدة تسعى إلى احتواء صعود الصين ومنع تشكل تحالف آسيوي يهدد هيمنتها، إذْ تجد روسيا نفسها أمام معادلة معقدة قد تجعلها الخاسر الأكبر من أي تقارب أمريكي صيني محتمل، ومن ثَمَّ يطرح هذا الواقع تساؤلات استراتيجية حول إمكانية اقتراب بكين من واشنطن على حساب موسكو وإعادة رسم خريطة التحالفات العالمية من جديد.
إرث نيكسون.. كيف أسست الاستراتيجية الأمريكية لسياسة فرّق تسد في آسيا؟
أوضح الدكتور أيمن سمير، الخبير في الشأن الصيني والعلاقات الأمريكية الروسية، في تصريحات خاصة لـ “القصة”، أنَّ السياسة الأمريكية تاريخيًّا قامت على مبدأ منع توحد القوى الآسيوية الكبرى، لاسيما الصين وروسيا، مشيرًا إلى أنَّ واشنطن اعتمدت لعقود على سياسة فرّق تسد للحفاظ على تفوقها العالمي، إذْ بدأت هذه الاستراتيجية منذ التقارب الأمريكي الصيني في سبعينيات القرن الماضي عندما قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بزيارة تاريخيّة إلى بكين عام 1972، مما أدى إلى إبعادها تدريجيًّا عن الاتحاد السوفيتي السابق.
وأضاف سمير أنَّ التحول الكبير حدث عام 2017 خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، لكون واشنطن اعتبرت كلاً من روسيا والصين منافسين استراتيجيّين في وقت واحد، وهو ما يمثل خطأ استراتيجيًّا تسبب في تقارب غير مسبوق بين موسكو وبكين سياسيًّا واقتصاديًّا، إذْ وصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى نحو 250 مليار دولار سنويًّا، مع تعزيز التعاون في مجال الطاقة عبر خطوط الغاز مثل مشروع قوة سيبيريا واحد والاستعداد لإطلاق قوة سيبيريا اثنين.
حسابات تجارية.. التفوق المالي لبكين يرجح كفة واشنطن على الشراكة الروسية
وأكد الخبير الاستراتيجي أنَّ العلاقات الصينية الأمريكية تمثل أولويّة استراتيجيّة بالنسبة لبكين أكثر بكثير من علاقتها مع موسكو، لكون حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة يصل إلى نحو 450 مليار دولار سنويًّا، بينما تتجاوز تجارة الصين مع حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا تريليوني دولار، إذْ تدرك بكين أنَّ أمريكا وحلفاءها يمثلون السوق الأكبر للتكنولوجيا والاستثمارات، بينما تظل روسيا شريكًا مهمًّا في الطاقة والموارد الطبيعية فقط، مما قد يجعل موسكو في النهاية شريكًا تابعًا للصين وليس شريكًا متكافئًا.
وأشار سمير إلى أنَّ زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة إلى الصين جاءت بعد تحركات أمريكية تجاه بكين، لكون الصين تحاول إظهار التوازن وعدم الظهور بمظهر المنحاز بالكامل إلى واشنطن، إذْ ما زالت بحاجة إلى روسيا على المدى القريب والمتوسط لتأمين الطاقة وتعويض أي نقص محتمل في النفط الخليجي أو الإيراني، ومن ثَمَّ فإنَّ أي انفتاح اقتصادي واسع بين بكين وواشنطن على المدى البعيد قد يؤدي إلى تراجع أهمية العلاقة الروسية الصينية.
توازن قلق.. رسائل زيارة بوتين ومستقبل ملف تايوان في ظل ولاية ترامب الثانية
ولفت الدكتور أيمن سمير إلى أنَّ الصين تراقب باهتمام سياسات الرئيس دونالد ترامب تجاه التحالفات العسكرية مثل أوكوس وكواد، معتبرة أنَّ أي تراجع أمريكي في دعم هذه التكتلات يصب في صالحها، وبناء على ذلك فإنَّ بكين تراهن على إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع واشنطن، لاسيما في ملف تايوان لفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات تشبه الانفتاح التاريخي القديم الذي أسهم في الطفرة الاقتصادية الصينية الكبرى.
واختتم سمير حديثه بالتأكيد على أنَّ الصين لن تتخلى سريعًا عن روسيا، لكن أي تحسن استراتيجي ومستدام في العلاقات مع الولايات المتحدة سيؤدي تدريجيًّا إلى تراجع الشراكة الروسية الصينية، لكون بكين تتعامل ببراغماتية شديدة ولم تصل علاقاتها مع موسكو إلى مستوى التحالف العسكري الكامل، ومن ثَمَّ فإنَّ السنوات المقبلة قد تشهد إعادة تشكيل واسعة للتحالفات الدولية بما يؤثر على علاقات واشنطن بحلفائها التقليديين في أوروبا وآسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا.