على مدار العقد الماضي، التزمت النخب الدبلوماسية في واشنطن والعواصم الغربية برواية جامدة يتم ذكرها كثيراً: الولايات المتحدة والصين تخوضان صراعاً وجودياً صفرياً بين الديمقراطية والاستبداد، وحذر منظرو العلاقات الدولية من “فخ ثيسيديدس”Thucydides Trap” (وهي الحتمية الهيكلية لاندلاع الحروب عندما يهدد صعود قوة ناشئة نفوذ القوة المهيمنة).
لكن، في أعقاب القمة رفيعة المستوى التي جمعت الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينج في بكين، انهار ذلك الإطار الأيديولوجي الفضفاض ليحل محله واقع جديد.
ما شهدته “قاعة الشعب الكبرى” لم يكن طلقة افتتاحية لحرب باردة جديدة، بل كان مأسسة لنموذج مختلف تماماً: “الاستقرار الاستراتيجي القائم على المعاملات التجارية المباشرة”.
لقد جرد ترامب وشي العلاقات الدولية من خطابات الحوكمة العالمية والقيادة الأخلاقية، وأقاما بدلاً منها هدنة نفعية هشة، تتعامل مع بؤر التوتر الجيوسياسي، والتنافس التكنولوجي، وسلاسل الإمداد العالمية، ليس باعتبارها مبادئ ثابتة، بل كأصول تجارية قابلة للإدارة والتسعير والمقايضة.
صدمة ما قبل الـقمة: حافة الهاوية الجمركية وواقعية سلاسل الإمداد لفهم الأبعاد الهيكلية لهدنة 2026، يجب النظر أولاً إلى كواليس الحرب الاقتصادية الشرسة التي سبقتها. فمع عودة ترامب إلى البيت الأبيض حاملاً تفويضاً صارماً تحت شعار “أمريكا أولاً”، سارعت إدارته إلى استخدام الرسوم الجمركية كسلاح غير مسبوق، وفرضت رسوماً شاملة امتدت من العقوبات التجارية المباشرة إلى “جمارك الفنتانيل”، مما دفع بالاحتكاك التجاري بين البلدين إلى ذروته.
إلا أن التداعيات الاقتصادية كشفت حدود الضغط أحادي الجانب. فبينما كانت واشنطن تسعى لفرض “فك ارتباط” سريع، أثبت الاقتصاد العالمي أنه أكثر مرونة من التوقعات؛ إذ لم تعد خطوط الإنتاج إلى “حزام الصدأ” الأمريكي، بل تحوّرت مساراتها، وقام المصنعون الصينيون بإعادة توجيه بضائعهم عبر دول وسيطة في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، محتفظين بحصتهم في السوق الأمريكية عبر شبكات شحن خلفية.
وفي المقابل، استعرضت بكين أوراق ضغطها البديلة؛ فمن خلال تقييد صادرات المعادن النادرة والعناصر الحيوية، والتي تمثل عصب الصناعات الدفاعية والتكنولوجية وصناعة السيارات في الغرب، أرسل شي جين بينج إشارة واضحة بأن الصين تملك القدرة الهيكلية على شل قطاع التصنيع المتقدم في أمريكا. هذا الإدراك المتبادل لحجم الضرر الاقتصادي خلق ظروفاً مثالية لنقطة تحول براجماتية؛ حيث أدرك الزعيمان أن استمرار التصعيد بات مكلفاً سياسياً واقتصادياً لدرجة لا يمكن تحملها.
إشارات متباينة: لغة الصفقات مقابل “العقائد السياسية”
أظهرت الرسائل الدبلوماسية المتبادلة في بكين تبايناً حاداً في الفلسفة السياسية، حيث تحدث كل زعيم بلغة استراتيجية مختلفة تماماً:
كانت إشارات الرئيس الأمريكي استعراضية، ذات طابع تجاري بحت، وموجهة بالأساس للاستهلاك المحلي الأمريكي. فبينما كان محاطاً بوفد ضخم من رؤساء الشركات الأمريكية، تعامل ترامب مع القمة بوصفها عملية “موازنة دفاتر تجارية”. كان هدفه الخروج بأرقام ومكاسب ملموسة يعرضها على ناخبيه مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية؛ فبالنسبة له، تبدو التحالفات الدولية التقليدية والمواثيق متعددة الأطراف مفاهيم مجردة، بينما المعيار الحقيقي للنجاح هو خفض العجز التجاري وجلب الوظائف.
على العكس من ذلك، جاءت رسائل الرئيس الصيني بنيوية، هادئة، وذات أبعاد استراتيجية بعيدة المدى. فبينما ركز البيت الأبيض على “مشهدية” الصفقة، ركزت بكين على صياغة الهيكل المستقبلي للعلاقات، وطرح شي رؤية استراتيجية تحت عنوان «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء». ومن خلال قبوله لطلبات ترامب التجارية، قدم شي تنازلاً محسوباً بدقة: بكين مستعدة تماماً لشراء بضائع أمريكية بمليارات الدولارات، إذا كان ذلك سيضمن للحزب الشيوعي الصيني السلعة التي يحتاجها بشدة للتعامل مع تباطؤ اقتصاده المحلي، وهي: أمن سلاسل الإمداد والقدرة على التنبؤ بالخطوة الأمريكية القادمة.
النتائج: مأسسة التقلبات وضبط إيقاع الأزمات
عكست المخرجات الملموسة لقمة بكين رغبة متبادلة في وضع “أرضية اقتصادية مؤقتة” تمنع الانهيار الشامل، دون حل الخلافات الجوهرية. وبدلاً من توقيع معاهدة دائمة، اعتمد الاتفاق على تأسيس آليات مباشرة بين الحكومتين، مثل مجالس مشتركة للتجارة والاستثمار، لإدارة الاحتكاكات وتنظيم تبادل السلع غير الحساسة حالة بحالة.
وقد تجسد هذا في التزامات صينية ضخمة لشراء المنتجات الزراعية الأمريكية وموارد الطاقة حتى عام 2028، إلى جانب صفقات طيران كبرى تشمل شراء طائرات “بوينج”، مقابل تخفيف واشنطن لبعض القيود المفروضة على سلاسل توريد المعادن النادرة. وحتى الحرب التكنولوجية التي أثارت قلق الأسواق لسنوات، وجدت حلاً براجماتياً عبر تسويات تجارية لشركات كبرى مثل “تيك توك”، مما حقق رغبة ترامب في الرقابة الأمريكية دون تصفية كاملة للأصول الصينية.
أما على صعيد الملفات الجيوسياسية الساخنة، فقد ساد مبدأ “إدارة الأزمات بدلاً من حلها”:
ملف إيران والطاقة:
التقى الطرفان عند نقطة “واقعية الطاقة”؛ حيث تزامنت القمة مع تداعيات التوترات المحتدمة في الشرق الأوسط، واتفق ترامب وشي على ضرورة بقاء مضيق هرمز ممرًا مائيًا مفتوحًا وخاليًا من أي رسوم أو تهديدات ملاحية لحماية تدفقات الطاقة العالمية. وفي تحول لافت، أبدت بكين اهتماماً باستبدال جزء من وارداتها النفطية بنفط أمريكي، وهو ما يعزل الاقتصاد الصيني عن اضطرابات الشرق الأوسط، ويساعد ترامب في الوقت نفسه على تقليص العجز التجاري الأمريكي.
ملف تايوان الخط الأحمر
تمت قراءة هذا الملف الشائك بشكل مجزأ؛ إذ أكد شي بحسم أن الجزيرة تمثل الخط الأحمر الأول للصين، محذراً من أن أي إساءة لإدارة هذا الملف ستقود لصدام مباشر. ومن جانبه، ومواكبةً لرغبة بكين في تسوية مؤقتة، أبدى ترامب مرونة براجماتية تمثلت في التلميح إلى إمكانية إعادة ضبط أو إرجاء صفقات أسلحة أمريكية ضخمة لتايبيه، لحماية الهيكل الاقتصادي الأوسع للاتفاق الجديد مع بكين.
الرؤية المستقبلية: عصر “الجيوسياسية السنوية”
إن الدلالة طويلة المدى لهذه التفاهمات على الساحة الدولية تبدو عميقة؛ فقد انتهى الوهم بأن هناك “نظاماً دولياً قائماً على القواعد والمؤسسات” يمكنه قيادة التفاعل بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، ودخلنا رسمياً عصر «الجيوسياسية السنوية».
فمن خلال استبدال المعاهدات الشاملة بصفقات مؤقتة ومحددة بمدد زمنية، بعثت واشنطن وبكين برسالة إلى العالم مفادها أن الاستقرار الدولي بات يملك تاريخ صلاحية قصير الأجل. وبما أن هذا الترتيب يعتمد كلياً على أسلوب ترامب الشخصي والمتقلب في إدارة الصفقات، محكوماً بالفترة المتبقية له في البيت الأبيض، فإن بكين تتعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها “هدنة تكتيكية مؤقتة” وليست تسوية استراتيجية دائمة.
بالنسبة للمجتمع الدولي والأسواق العالمية، فإن الرؤية المستقبلية تتلخص في “تقلبات مدارة بعناية”؛ فالقواعد الأساسية للعلاقات لم تعد تصاغ في أروقة الأمم المتحدة أو منظمة التجارة العالمية، بل تُحدد في غرف المفاوضات الثنائية المغلقة.
سيبقى التنافس على أشده خلف الكواليس في مجالات الذكاء الاصطناعي، والإنتاج الضخم، والسيطرة على أشباه الموصلات المتقدمة. ولكن، طالما أن واشنطن وبكين تريان في الصراع العسكري المباشر تهديداً مدمراً لاقتصادهما الداخلي، فسيتعين على العالم بأسره، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط والقوى الإقليمية، التكيف مع هذا الواقع الجديد: واقع يسوده سلام هادئ، نفعي، ومجرد من الشعارات الأخلاقية، حيث يُعاد التفاوض على الاستقرار العالمي فترة تلو الأخرى.