تعيش عائلات سجناء الرأي معاناة كبيرة، حيث ألم الظلم، ومرارة الانتظار، وعشرات المواقف التي لا تُنسى. تختلف حياتهم كثيرا عن تلك الحياة الطبيعية التي يحياها غيرهم. فاختطاف السجن أحبابهم فرض عليهم أسلوبا مختلفا للمعيشة، تغلب عليه المشاعر المعلقة بالغائبين خلف أسوار السجون. أمهات يفتقدن أبناءهن، وزوجات ينتظرن أزواجهن، وأشقاء بددت الوحشة حياتهم، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم. تدور حياتهم جميعا في فلك الانتظار والاستعداد للزيارة، ثم العودة منها إلى انتظار جديد.
حتى تلك الزيارة لا تخلو من الألم. فأمام بوابات السجون يقف العشرات، طوابير تصطف، ومجموعات تلتف حول بعضها، الجميع ينتظر لحظة بذلوا الكثير من أجلها، البعض يجلس في ساحة السجن، والبعض الآخر في الشارع أمام الباب، كلٌ ينتظر دوره، حيث لقاء الغائبين الذين يفقدون أعمارهم وتموت أحلامهم أو تتأجل لأجل غير مسمى، دون سبب يذكر.
كل فرد من أهالي سجناء الرأي يحمل ذكرى لا تنسى، أو موقفا إنسانيا خرج من رحم المعاناة التي يقبعون فيها. “القصة” ينقل لكم بعض من تلك المواقف التي تركت أثرا في النفوس، من خمس أُسر من أهالي السجناء. ما بين تجارب البُعد، وبين ثنائية الانتظار والزيارة. حيث يفتح الأهل قلوبهم، للتنفيس عن بعض ما يشعرون به من جراء تلك التجارب، ومن الانتظار المرير الذي لا يعلم أي منهم متى ينتهي، ليتحقق حلمهم في حياة – فقط – كالحياة.
محمد دومة.. معاناة الانتظار
يروي محمد، الشقيق الأصغر لأحمد دومة، الشاعر والناشط وسجين الرأي، لـ”القصة” معاناة الوقت الذي يضيع في الانتظار أمام السجن.
يرى أن وقت الانتظار هو الأطول، إذ ضاع جزءًا كبيرًا من حياته أمام السجن بينما ينتظر مقابلة شقيقه وزيارته لمدة لا تصل في أفضل الأحوال ساعة واحدة، ليبدو أمامه الأمر كمرحلة ضاع فيها ربما ثلث عمره، وهو منتظر. يعتبر محمد أن تلك هي التجربة الأكثر إزعاجًا بالنسبة له منذ صدور قرار حبس شقيقه وحتى الآن.
وفي حديثه لـ “القصة”، أضاف محمد دومة أن من أصعب الأشياء التي رآها وعاشها هي إعادة هذه التجربة مرة أخرى، بعد عشر سنوات قضاها أحمد خلف القضبان، عاش خلالها أكثر من سبع سنوات في الحبس الانفرادي، إلى جانب كل المعاناة التي مر بها ومرت بها الأسرة بأكملها. ويتساءل: لماذا تتكرر التجربة مرة أخرى بهذا الظلم ودون أسباب لذلك؟ لماذا يُسجن ثانية ونعيش هذه التجربة مرة أخرى؟
وعن التجربة الأخيرة، يقول محمد إن أحمد، منذ خروجه في نهاية 2023، واجه سبع قضايا، بينها خمسة استدعاءات، كما خُطف مرة من منزله، ولم تعرف الأسرة مكانه إلا بعد نحو 12 ساعة، حين ظهر في النيابة.
يتحدث محمد عن تجربته خلال سنوات حبس أخيه الأكبر، قائلًا إنه عندما سُجن أحمد عام 2013، كان حينها في الثانوية العامة، ومع مرور الوقت أصبح مسؤولًا بشكل كبير عن الزيارات ومتابعة القضايا، حتى مرت سنوات دراسته الجامعية في ظل هذه المسؤولية.
ويقول: “فقدت 8 سنوات من حياتي، لم أعشهم ولم أشعر بهم، هي الفترة ما بين 2015 حتى 2023. حينما نضجت وبدأت في دراستي الجامعية، وجدت أخي الكبير محبوسًا، وكان شغلي الشاغل حينها هو زياراته ومحاكماته وقضاياه، والانتهاكات التي يتعرض لها وحقوقه المسلوبة والتعدي عليه أكثر من مرة ووقائع تعذيب، والمعارك التي خضناها حتى يكمل دراسته”.
ويضيف: “فإذا كنت قد فقدت شيئًا إلى جانب فقد وجود أخي الكبير بجانبي، فهي السنوات الـ8 من عمري، وتلك هي التاسعة، سنوات لم أعرف عنها شيئًا ولم أعرف كيف يعيشها من هم في مثل سني. لم أجد الوقت لأحياها، ولا أعرف كيف أحياها، أعوام لم وجدت فيها أخي الأكبر معتقلًا وانتهك حقه وحقوقنا كل يوم على مدار عشر سنوات، لذا أنا أفتقد حياتي وأخي كثيرًا”.