تأخر الرواتب وإصدار “الفجر” سببا أزمتها
الأمان المهني يرتبط بالصحف القومية لا الخاصة
إدارة الفجر خفضت رواتب الصحفيين ولم تبحث حلولا أخرى
الصحافة المصرية تعاني.. وعلى الدولة دعم المؤسسات الصحفية
يعيش الزملاء بجريدة الفجر في الآونة الأخيرة مواجهة مفتوحة مع أزمات متصاعدة تهدد مصير المؤسسة. وذلك عقب توقف صرف الرواتب لعام كامل. وهي الأزمة التي استدعت تحركات نقابية مكثفة لاحتوائها. وسط تمسك صارم من الزملاء بالدفاع عن كيانهم الصحفي، باعتباره تجربة مهنية تستحق البقاء.
“القصة” حاور الكاتبة الصحفية منال لاشين، رئيس تحرير “الفجر” سابقا. فأزاحت الستار عن الجذور العميقة للأزمة، ومسؤولية الإدارة عن تفاقمها. وكشفت عن كواليس مساعي الإنقاذ الجارية، والدور الذي تلعبه النقابة لمساندة الصحفيين، فإلى نص الحوار.
ما تبعات غياب الأمان المهني أو الاستقرار المادي للصحفي؟
عبر سنوات طويلة ومن خلال صحف متعددة كان الصحفي يحقق استقراره المادي من خلال العمل بالجريدة وجهات صحفية أخرى. لكن يظل الأمان المهني هو الأهم، لأنه يعد العنصر الداعم للصحافة. ويتضمن هامشًا واسعًا من الحرية، وتقديرًا مجتمعيًا لمهنة الصحافة، وإيمان الصحفي بتأثير كلمته على الآخرين.
لكن في ظل التضخم الشديد، انخفض الأمان المادي بشدة. والصحفي كأي مواطن عانى في السنوات الأخيرة من ارتفاع الأسعار. إضافة إلى أعبائه الإضافية، مثل قراءة الكتب، ومتابعة الأحداث باستمرار، وتلقي التدريبات المهنية لرفع مستواه الصحفي.
أما الأمان المهني فارتبط دائمًا بوجود الصحف القومية. ولفترة زمنية طويلة كانت الصحف القومية تحقق أمانًا مهنيًا كاملًا تقريبًا لقلة الفصل التعسفي بها. لكن الآن مع الحديث عن الدمج وإغلاق الصحف، أصبح هناك خوفا حقيقيا. وحينما يشعر الإنسان بالخوف لا يمكنه أن يؤدي بكفاءة أو يعمل على تطوير نفسه، وبالتالي يقع التأثير على الصحفي والمهنة معًا.
ما هي الأسباب الرئيسية لأزمة الفجر؟
الأزمة كان لها سببان؛ الأول هو تأخر الرواتب الذي وصل إلى عام كامل. والثاني كان تأخر إصدار الصحيفة. لنصبح أمام جريدة لا تصدر وصحفيين لا يحصلون على رواتبهم.
ما مدى تأثير الشفافية الإدارية مع الصحفيين على مسار أزمة الفجر؟
الفجر لديها مجموعة متميزة من الصحفيين الشباب، الذين قدموا تجربة مهنية حقيقية بشهادة الكثير من الصحفيين الكبار. وأغلبهم حصل على جوائز نقابية ومهنية. وقد كانوا على علم بالأوضاع الإدارية داخل المؤسسة. وطُلب منهم لأعوام خفض المرتبات حفاظًا على استمرار الجريدة. وقبلوا بذلك رغم قدرتهم المهنية على العمل بمؤسسات أخرى. وتحملوا ذلك لأنَّ الجريدة وفرت لهم قدرًا من المساحة المهنية وهامشًا من الحرية ليس موجودًا في صحف أخرى.
لكن في المقابل كانت الإدارة دائمًا تضع خفض مرتبات الصحفيين ضمن حلولها الأولى، بدلًا من البحث عن موارد جديدة أو تخفيض ما يتلقاه المساهمون. وبالتالي كان الصحفيون يشعرون دائمًا بعدم التقدير المادي الشديد. وأصبح لدى الصحفي خياران فقط؛ إما ترك المؤسسة أو الصبر من أجل استمرار ما يكتبه ويقدمه من أعمال مهنية متميزة لا يمكنه نشرها في مؤسسات أخرى. وبالفعل لجأ صحفيو الفجر إلى الاختيار الثاني، وكان على الإدارة تقدير ذلك. لكن ظل الصحفيون لأعوام يقبلون ربع أو نصف رواتبهم دون مكافآت أو حوافز أو بدل سفر. فقط حبًّا في مهنة الصحافة، وهي نقطة تحسب للزملاء.
ماذا عن دور نقابة الصحفيين في احتواء الأزمة؟
النقيب خالد البلشي ومجلس نقابة الصحفيين تدخلوا بالفعل في أزمة الفجر منذ أكثر من عامين. وتجلى ذلك في واقعة هامة حينما اتخذ الأستاذ عادل حمودة قرارًا بإغلاق الجريدة أثناء سفري للخارج. حينها حرص البلشي على التواصل معي، وطلب مني التدخل لعدم غلق الجريدة. وبالفعل تم التوصل حينها إلى حل مؤقت، كما قدمت النقابة حلولاً للإدارة تضمنت الاتفاق مع الشركة المتحدة عبر بريزنتيشن للحفاظ على الصحفيين.
وخلال فترات وقف الطبع أو غياب الرواتب كانت النقابة موجودة دائمًا. وأيضًا كان للصديق يحيى قلاش، النقيب السابق، تدخل هام جدًّا. والتقى بالفعل ببعض الزملاء، وأُعجب بإصرارهم على استعادة جريدتهم رغم ضعف رواتبهم. كما تواصل مع عادل حمودة والزميل خالد صلاح، وتمت بالفعل مفاوضات مبدئية مع مستثمر، لكن لم تبدِ الإدارة مرونة كافية. وأيضًا أريد من خلال منصتكم دعوة النقيب السابق عبد المحسن سلامة للتدخل. لأنه سبق وقدم وعودًا خلال حملته الانتخابية الأخيرة بالبحث عن مستثمرين لمنع غلق الفجر.
كيف يمكن حل أزمة صحفيي الفجر من وجهة نظرك؟
أريد الإشارة أولاً إلى أنني لست صحفية معينة حاليًا في الفجر، لذلك لم أوقع على البيانات أو أحضر الاجتماعات. لكن جريدة الفجر لا تزال بداخلي، لأنني كنت من مؤسسيها وقضيت بها أكثر من نصف عمري المهني. وأرى أنَّ التحرك الحالي إذا حصل على دعم كافٍ من النقابة والمجلس الأعلى للإعلام، ومن عادل حمودة بشخصه، يمكن إصدار الجريدة. نظرًا لأنَّ عادل حمودة يجمع بين صفته كمؤسس لـ”الفجر”، وكونه مسؤولاً عن ملف تطوير الصحف الخاصة. وبالتالي إذا لم يتمكن من إيجاد حل من أجل جريدته، يخلق ذلك علامة استفهام كبيرة حول مدى جدوى لجنة تطوير الصحف الخاصة.
وأيضا أريد أن أوجه ندائي إلى وزير الإعلام الحالي ضياء رشوان، فهو قدم الكثير للصحفيين خلال فترة توليه منصب نقيب الصحفيين، وأعتقد أنَّ وجود دعم من النقابة والمجلس الأعلى للإعلام ووزارة الدولة للإعلام يمكن أن يخلق حلًّا حقيقيًا لعودة الجريدة وصرف رواتب الصحفيين.
ما حقيقة العجز المالي والتكلفة الفعلية لإصدار الجريدة؟
مطلقًا، جريدة الفجر كانت تصدر بكافة التزاماتها بتكلفة تصل إلى 100 ألف جنيه. وإذا ضاعفنا الرواتب وقمنا بتطوير المؤسسة، فنحن نتحدث عن حوالي 600 ألف جنيه شهريًا تقريبًا. أي أقل من سبعة ونصف مليون جنيه سنويًا. وذلك يعد مبلغًا محدودًا جدًّا في صناعة الصحافة والإعلام. نحن ربما لسنا أمام مؤسسة كبيرة الحجم، لكن بالتأكيد أمام مؤسسة كبيرة القيمة.
ما هي مطالب صحفيي الفجر على وجه التحديد؟
المطالب واضحة؛ عودة الجريدة، وصرف الرواتب للزملاء. نحن أمام مجموعة حقيقية من الصحفيين المتميزين، المتمسكين بمؤسستهم وبالعمل المهني الذي اعتادوا عليه. وغياب الفجر خسارة كبيرة للمجتمع أكثر من اعتباره خسارة مادية للصحفيين. فالقضية لم تعد عمالية فقط. لكنها باتت قضية تتعلق بالحريات والتنوع داخل المجال الصحفي.
ما دوافع تمسك الجماعة الصحفية بالمؤسسة رغم أزماتها؟
لأنَّ لديهم شغفًا حقيقيًا بالمهنة، رغم كل الخلافات والأزمات. العمل من أجل إصدار الجريدة كان كافيًا لجعل الجميع يعمل بأقصى طاقة ممكنة. الحقيقة أنَّ حبهم للصحافة كان دائمًا أقوى من كل الظروف.
أزمة الفجر حالة استثنائية أم انعكاس لخلل هيكلي في الصحافة؟
الصحافة المصرية تعاني بأكملها، خاصة الصحف الورقية. لكن الأزمة ليست اقتصادية فقط، بل هناك غياب تام لتنظيم مهني وإداري ومالي وحقوقي. كثير من المؤسسات الخاصة تتخلى عن صحفيين كفء فقط من أجل تقليل التكاليف. وأحد أهم أسباب الأزمة أنَّ الصحف تصدر كشركات مساهمة. وبالتالي الديون والتعويضات تقع على المؤسسة كشخصية اعتبارية مستقلة وليس على الملاك أنفسهم. لذا الكثير من المؤسسات لا تمتلك أصولاً حقيقية يمكن الحجز عليها. أيضًا كانت الفجر طوال 23 عامًا تعمل من خلال أماكن مؤجرة. ولا تمتلك سيارة أو حتى موتوسيكل، وحتى أجهزة الكمبيوتر لم تتغير إلا عند تلفها بالكامل.
ما الحلول المطروحة لإنقاذ المؤسسات الصحفية المتعثرة حماية للأجور؟
لا بدَّ أن تتدخل الدولة لدعم المؤسسات الصحفية التي لا يمكنها تطبيق الحد الأدنى للأجور. بدلاً من أن تغلق أبوابها تمامًا. وإذا رفض المالك تطبيق القانون رغم قدرته، لابد من معاقبته. لكن إذا ثبت عجز المؤسسة بالفعل فلا بد من تقديم الدولة الدعم للمؤسسات. ولا يجب أن يتحول الحد الأدنى للأجور إلى أداة لإغلاق الصحف. إضافة إلى ضرورة تعديل قانوني يجعل المساهمين وأصحاب الصحف مسؤولين عن التعويضات والالتزامات. لا أن تتحملها المؤسسة بمفردها. لأنَّ الوضع الحالي يجعل بعض الملاك في حالة اطمئنان باعتبار أنَّ الأحكام لن تنفذ على أموالهم الشخصية.
ما الأسباب الحقيقية وراء تعنت الإدارة وغياب حلول أزمة الفجر؟
السبب الرئيسي هو غياب دور عادل حمودة، وبغض النظر عن أي خلافات مهنية بيننا، فهو اسم كبير له علاقاته التي تمكنه من توفير موارد للجريدة. وكان من الضروري وجود تواصل دائم مع الصحفيين واجتماعات منتظمة تشعرهم بأنَّ مؤسس الجريدة موجود معهم.
بدون عادل حمودة تبدو أزمة الفجر وكأنها أزمة يتم. فلا يوجد أب يدافع عنها. لذلك أرى أنَّ الخطوة الأولى للحل تبدأ عنده. ثم بعد ذلك يأتي دور النقابة والجهات الأخرى الداعمة. وأؤكد أنَّ التحرك الأخير لصحفيي الفجر تحرك هام. وأرى أنَّ الوقت حان لإيجاد حلول حقيقية. ليس فقط لإنقاذ مؤسسة صحفية، بل من أجل الحفاظ على صوت مهني داخل الصحافة المصرية.
أهم شيء حاليا هو دعم تحرك الزميلات والزملاء. والتحرك للأأمام من أجل استعادة مؤسسة الفجر جريدة وموقع. ولذلك أفضل عدم الخوض في تفاصيل أو أحداث الماضي. لأن المهم الآن هو حشد جميع القوى الداعمة والمعنية لإعادة الفجر وحصول الزملاء على حقوقهم.