لم تعد الكلمات كافية لوصف المشهد في قطاع غزة فبعد أشهر طويلة من الحرب المستمرة، تحول القطاع إلى مسرح لأكبر كارثة إنسانية عرفها التاريخ الحديث مجتمع مدمر بالكامل، وبنية تحتية تساقطت عن بكرة أبيها، وأطفال يواجهون صدمات نفسية وعقلية ستلازمهم لعقود.
متحدث الأونروا في حوار مع “القصة”
في هذا الحوار الخاص، يضعنا الدكتور عدنان أبو حسنة، المتحدث الرسمي باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، أمام حقيقة الأوضاع داخل القطاع، متحدثًا عن الانهيار الممنهج للمنظومة الصحية والتعليمية، ومستويات سوء التغذية الحادة، ومخاوف الوكالة من عودة التصعيد العسكري إلى المربع الأول، موجهاً صرخة تحذير: “أهالي غزة ليسوا مجرد أرقام”.
كيف تصفون الوضع الحالي في غزة؟
الوضع الإنساني في قطاع غزة لا يزال متدهوراً إلى أبعد حد، والآمال التي عُقدت على تحسن الأوضاع بعد فترات وقف إطلاق النار تبخرت اليوم، إذا أردنا الدقة العلمية، نحن نتحدث عن مستويات مختلفة وخطيرة من سوء التغذية الحاد، حيث يعتمد مئات الآلاف من الفلسطينيين اعتماداً كلياً ومطلقاً على المساعدات الإنسانية لتأمين بقائهم.
السكان يقتاتون على ما تُقدمه “التكيات”، المطابخ المجتمعية، والجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الحكومية، إلى جانب منظمات الأمم المتحدة وحتى مع السماح بدخول بعض البضائع للقطاع التجاري، فإن معظم سكان القطاع لا يملكون المال اللازم للشراء؛ فالقدرة الشرائية منعدمة تماماً إلا لدى فئة قليلة جداً، وبالتالي يظل الاعتماد الكلي على المساعدات الأممية والإغاثية.
هل المساعدات التي تأتي من المؤسسات الإقليمية كافية؟
دعنا نكون صريحين، المساعدات التي تدخل عبر المنظمات الأممية، هي مساعدات شحيحة ولا تكفي مطلقاً.
نحن نتحدث عن مجتمع مدمر تماماً؛ فالأرقام تشير بدقة إلى أن أكثر من 80% إلى 90% من المنازل والبنى التحتية في قطاع غزة دُمرت تدميراً كاملاً منظومة المياه تضررت بالكامل والمياه الحالية غير صالحة للشرب، ومحطات الصرف الصحي توقفت عن العمل، ناهيك عن الانهيار الكبير الذي يعصف بالقطاع الصحي.
بالحديث عن القطاع الصحي، ما أبرز الأمراض التي ترصدها عيادات الأونروا؟
القطاع الصحي يعاني انهياراً كارثياً عيادات الأونروا لا زالت تعمل وتستقبل يومياً نحو 16 ألف مريض، ورغم هذا الجهد الكثيف، هناك نقص حاد في كل شيء: في الأدوية، والمستلزمات الطبية، والوقود.
نحن نتحدث اليوم عن عشرات الآلاف من المرضى الذين هم بحاجة ماسة وعاجلة للعلاج في الخارج، وبسبب غياب المياه النظيفة والانهيار البيئي، نشهد انتشاراً مخيفاً لأمراض الجرب، والأمراض الجلدية، والعديد من الأوبئة التي لم تكن موجودة في قطاع غزة قبل هذه الحرب، أو كانت قد قاربت على الاختفاء تماماً. الأوضاع الطبية متدهورة للغاية ولا تحتمل أي تراجع إضافي.
كيف تدير الأونروا العملية التعليمية؟ وما التحديات التي تواجه التلاميذ؟
الأونروا لم تتوقف عن محاولة استئناف العملية التعليمية؛ لدينا الآن حوالي 300 ألف طالب وطالبة، من بينهم 65 ألف طالب يتلقون تعليماً وجاهياً، بينما يتابع الباقون تعليمهم “عن بعد”، لقد استحدثنا مساحات تعليمية مؤقتة داخل مراكز الإيواء المدمرة لإبقاء الأطفال في أجواء التعليم.
لكن التحديات هائلة و موجعة هناك نقص حاد في القرطاسية، ولا توجد مقاعد دراسية عملياً، ولا ملابس مناسبة لكن الأمر الأكثر خطورة على الإطلاق هو أن مئات الآلاف من الأطفال في قطاع غزة تعرضوا لصدمات نفسية وعقلية عنيفة أثرت بشكل مباشر على قدرتهم على الاستيعاب والتركيز والأنكأ من ذلك، أن الكثير من هؤلاء الأطفال يأتون إلى تلك المساحات التعليمية وهم جوعى، مما يجعل مجرد التركيز في درس أو كتاب أمراً مستحيلاً دون تأمين الغذاء لهم.
كيف تؤثر السيطرة الإسرائيلية على الأونروا في تقديم خدماتها؟
اليوم، تسيطر إسرائيل عسكرياً على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، وتتوسع ما تسمى بالمنطقة الصفراء التي يسيطر عليها الجيش الاستجابة الإنسانية سواء كانت عيادات طبية، أو عمليات تعليمية، أو توزيع مواد غذائية تنحصر وتتركز في المناطق الخارجة عن السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
نحن نتلقى بعض المساعدات الإنسانية والغذائية التي تدخل عبر المعابر من منظمات أخرى ونقوم بتوزيعها فوراً، لكن أي عرقلة جديدة أو توسيع للعمليات العسكرية سيقودنا حتماً إلى وضع مأساوي يفوق القدرة على الاحتمال.
كيف تنظرون إلى الجهود الدولية الراهنة لإنقاذ غزة؟
نقترب الآن من فترات زمنية طويلة وقاسية منذ أكتوبر، والحياة في غزة دُمرت تماماً وتغير شكلها، كما تغيرت نظرة الفلسطينيين للحياة نفسها حيث تسود حالة عارمة من الإحباط واليأس الشديد.
جهود المجتمع الدولي لإدخال المواد الغذائية والأدوية هي جهود غير مكتملة على الإطلاق، ومهما كانت النوايا حسنة، فإن قطاع غزة بحاجة إلى تغيير حقيقي وجذري في نظرة العالم للتعامل معه، نحن نخشى من انهيار الأوضاع مجدداً وعودة الحرب والعمليات العسكرية إلى المربع الأول كما كانت قبل عام، وهو ما يعني مزيداً من الضحايا والمفقودين تحت الأنقاض.
ما الرسالة التي توجهها الأونروا للعالم اليوم عبر “القصة”؟
رسالتي هي أن ما يحدث في غزة ليس كارثة طبيعية، بل هي أزمة إنسانية وكارثة من صنع البشر لم يتبقى من غزة المعالم والتاريخ شيء دمرت المساجد، والكنائس، والملاعب، والأحياء التاريخية التي يمتد عمرها إلى 5000 عام، ولم يتبقى إلا بعض الشوارع في مدينة غزة وبعض المخيمات في المنطقة الوسطى. حتى قطاع الزراعة والمياه دمر تماماً.
على العالم أن يدرك أن مليوني فلسطيني محاصرون في مساحة أقل من 100 كيلومتر مربع هذا سجن كبير، مع فارق أن السجون العادية تتوفر فيها المياه والطعام والكهرباء، بينما غزة تفتقر لكل ذلك والأهم، أن العالم يجب أن يرى أبعد من الصور والترتيبات السياسية هؤلاء الساكنون في غزة ليسوا أرقاماً، هؤلاء بشر، لديهم أحلام، وتطلعات، ورغبة حقيقية في الحياة استمرار الوضع على ما هو عليه يعني مزيداً من الطاقة السلبية، ومزيداً من الانفجار والغضب والمعاناة، ولا أحد يستطيع أن يتخيل أن تبقى غزة بعد عام من الآن على هذا الحال دون أن نشهد انهياراً إنسانياً شاملاً وكاملاً.