بينما تتجه الأنظار إلى عواصم القرار ترقباً لبلورة ملامح اتفاق تهدئة إقليمي، جاء إعلان الجيش الإسرائيلي عن مهاجمة أكثر من 80 هدفاً والقضاء على عشرات العناصر من حزب الله في جنوب لبنان، ليثير تساؤلات عاصفة ومستحقة: هل خرج لبنان من حسابات الاتفاق؟ ولماذا لا يتوقف الضرب؟ هذا التناقض الصارخ يعكس تعقيداً بنيوياً في المشهد، حيث تُصر تل أبيب على فرض واقع ميداني مغاير تماماً لما يُناقش على طاولات الدبلوماسية.
قالت الدكتورة نهى بكر الخبيرة في الشأن الإسرائيلي في حديثها لـ “القصة”، إن استمرار الضربات الإسرائيلية العنيفة على لبنان رغم تفاهمات التهدئة الإقليمية، يعكس بوضوح تعمد إسرائيل تطبيق سياسة “فصل الجبهات” وسياسة “الأمر الواقع”، و أوضحت بكر أن تل أبيب تسعى جاهدة لفصل الساحة اللبنانية تماماً عن أي مسار تفاوضي يجري بين واشنطن وطهران؛ لتؤكد للعالم أنها ستحتفظ لنفسها بحرية التحرك العسكري الكامل في لبنان بغض النظر عن أي اتفاقات إقليمية، وبالتالي هي تتعامل مع حزب الله كـ “قضية منفصلة” وقائمة بذاتها، وليس مجرد ورقة تفاوضية ضمن صفقة كبرى.
وأشارت الخبيرة في الشأن الإسرائيلي إلى أن إسرائيل ترى في استمرار العمليات العسكرية فرصة سانحة لفرض وقائع جديدة ومستدامة على الأرض، لا سيما في جنوب لبنان، لكي تحولها إلى ورقة ضغط قوية ومكاسب جغرافية في أي مفاوضات مستقبلية مع الدولة اللبنانية، بهدف ترسيخ “مناطق أمنية” أو “حزام عازل” كأمر واقع لا رجعة فيه.
و أكدت بكر أن جبهة لبنان باتت هي الساحة الأكثر نشاطاً و اشتعالاً بعد تراجع حدة التوتر في ملفات إقليمية أخرى، مبرزة أن هذا التصعيد الإسرائيلي بدأ فعلياً في مطلع مارس من العام الجاري 2026، إثر رد حزب الله على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، وهو ما حول الضربات المتبادلة حينها إلى حرب مفتوحة وشاملة ترفض تل أبيب إنهاءها الآن.
تجاوز الليطاني والعودة لزمن الاحتلال
واختتمت الدكتورة بكر حديثه لـ “القصة” مؤكدة أنه لا توجد أي نوايا إسرائيلية تلوح في الأفق للانسحاب، بل على العكس، تواصل القوات الإسرائيلية تعميق توغلها البري متجاوزة نهر الليطاني، في مشهد يعيد للأذهان نمط الاحتلال الإسرائيلي السابق لجنوب لبنان.
وجزمت بكر بأن استمرار القصف هو استراتيجية إسرائيلية متعمدة لترسيخ الوجود العسكري كأمر واقع مستقل عن أي تسوية إقليمية، مما يحول لبنان رسمياً إلى الجبهة الرئيسية والأخيرة لمواجهة نفوذ إيران في المنطقة.
وكشفت بكر عن التكتيك العسكري الصادم الذي تنتهجه إسرائيل حالياً، مشيرة إلى أنها تنفذ ضرباتها تحت شعار “عقيدة الأنقاض”؛ وهو تكتيك ممنهج يهدف إلى تدمير البنية التحتية بالكامل، وسحق الحاضنة الشعبية لحزب الله عبر عمليات تفجير واسعة وإصدار أوامر إخلاء متكررة لمنع عودة النازحين إلى قراهم مجدداً.