يوافق اليوم الذكرى الـ14 لرحيل الفنانة وردة الجزائرية، صوت الثورة الجزائرية وأحد أعمدة الموسيقى العربية طوال عقود من القرن العشرين، والتي تركت لنا إرثًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم بأعمالها الخالدة.
شهادات جديدة عن وردة الجزائرية يرويها لنا أيمن الحكيم
وفي هذه المناسبة، يروي الكاتب أيمن الحكيم، في حواره مع “القصة”، أبرز المحطات في حياتها، ويكشف لنا الكثير من الحقائق التي ارتبطت بسيرتها، تزامنًا مع إصداره كتابه الجديد عن سيرة وردة، كاشفًا كواليس رحلته في البحث والتوثيق، وما أثارته بعض الروايات حول حياتها الشخصية والفنية.
ما اللحظة التي قررت فيها الكتابة عن وردة؟ وما الجديد الذي شعرت أنك قد تضيفه؟
كانت وردة مشروعًا موازيًا بالنسبة لي، أو مكمّلًا لسيرة بليغ حمدي، التي عملت عليها من قبل وقدمت فيها 3 كتب ومسرحية، وأعمل حاليًا على مسلسل درامي، وخلال عملي على سيرة بليغ، شعرت وكأن وردة ظُلمت كثيرًا في تجربتها الشخصية، وكانت تُقدَّم دائمًا باعتبارها “تابعة لبليغ” أو “زوجة بليغ” التي لحن لها الكثير.
فإن كان بليغ قد أفادها كثيرًا خلال فترة ارتباطهما، التي استمرت حوالي 7 سنوات، وقدما معًا ما يقرب من 100 أغنية، وربما كانت تلك الأعمال سبب شهرتها حتى اليوم وأهم ما قدمت، لكنها ظُلمت كثيرًا، ورأيت أنه يجب أن تحصل على حقها، وأن يُنصفها أحد كتجربة مستقلة، فلها تجربة في الغناء قبل بليغ وبعده، ولا يجوز اختزال تاريخها في 7 سنوات فقط.
مَن اكتشف وردة فعليًا؟
الحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون أن المكتشف الحقيقي لوردة لم يكن بليغ حمدي أو محمد عبد الوهاب أو أيًّا من الأسماء الكبيرة التي ارتبطت بها فنيًا، بل أرى أن المكتشف الرئيسي لوردة كان الرئيس جمال عبد الناصر.
فقد كانت وردة مطربة مغمورة لفترة طويلة، فحين غادرت باريس مع أسرتها وذهبوا إلى لبنان، كانت تعمل في مطعم “أنطلياس”، وعلى الرغم من أنه كان مكانًا للسهر، فإنها كانت تغني أغاني وطنية للجزائر، فغنت لجميلة بوحيرد وأغاني وطنية للثورة الجزائرية، وهكذا عرفوها في الشام.
وبعد الوحدة بين مصر وسوريا، رُشحت لتقديم فقرة في “أضواء المدينة” بدمشق، باعتبارها صوت الثورة الجزائرية، وحين سمعها الرئيس جمال عبد الناصر أعجب بصوتها وحماسها، وطلب أن تأتي إلى مصر إذا قدمت أعمالًا وطنية، وقد كان، وغنت وردة في أوبريت “الوطن الأكبر” بعدما لفتت نظر الرئيس جمال عبد الناصر.
أما الاكتشاف الفني لها، فكان على يد الموسيقار محمد عبد الوهاب.
كيف بدأت قصة حب بليغ ووردة؟
الحقيقة أن وردة هي من تعلقت ببليغ في البداية قبل أن تعرفه، عندما استمعت إلى أغنية “تخونوه” في فيلم “الوسادة الخالية”، التي لحنها بليغ لعبد الحليم حافظ عام 1957، وشاهدت الفيلم مرات عديدة، وتعهدت بأنها إذا ذهبت إلى مصر يومًا ستذهب إلى ملحن هذه الأغنية، فهي غالبًا أحبته قبل أن تراه.
وأيضًا وقع بليغ في حبها قبل رؤيتها، حينما أحضر له صديقه الموسيقي أنور منسي شريطًا من باريس مسجلًا عليه أغنية “يا ظالمني” لأم كلثوم بصوت وردة، فأحب صوتها كثيرًا وتمنى أن يلحن لها يومًا.
هل واجهتك أي صعوبة في الوصول إلى معلومات أو شهادات نادرة عن حياتها الشخصية أو الفنية؟
كنت محظوظًا جدًا، فأنا أولًا مختص بسيرة بليغ حمدي، وكنت صديقًا لأغلب المقربين من وردة، خاصة الإذاعي الكبير وجدي الحكيم، الذي كان الأقرب لها وقدم لي كل ما يتعلق بوردة، وأيضًا عمر بطيشة وغيرهما، فكان من حظي معرفة الكثير من المصادر.
كما أنني قابلت وردة شخصيًا عدة مرات، فالأزمة لم تكن في إيجاد المصادر، بل كانت في التحليل، وكيفية تحليل وتوثيق الوقائع في حياتها.
هل اعتمدت على شهادات من مقربين منها أو وثائق خاصة؟ ولو نعم، فما أكثر شهادة أثرت فيك وغيرت من نظرتك لها؟
كان من بين الحكايات التي تعجبت منها كثيرًا أن وردة، صاحبة أحد أجمل الأصوات في تاريخ الغناء العربي، ظلت فترة طويلة لا تعرف كتابة اللغة العربية في بداية حياتها، وكان بليغ حمدي يساعدها في قراءة كلمات الأغاني، فيكتب لها الحروف العربية بالفرنسية لتتمكن من حفظها، وكانت تلك من أغرب الحكايات عنها.
تداولت بعض الشائعات السياسية عن وردة، ما حقيقة ذلك؟
نعم، تداولت بعض الشائعات عن وجود علاقة بين وردة ووزير الدفاع المشير عبد الحكيم عامر، الذي كان حينها الرجل الثاني في الدولة، الأمر الذي أخاف والدها كثيرًا وأمرها حينها باعتزال الفن.
وحين سألت وردة عن هذه القصة، قالت إنها لم تره سوى مرة واحدة في الحفلة التي غنت فيها أوبريت “الوطن الأكبر”، وكان عبد الحكيم عامر يجلس حينها إلى جانب جمال عبد الناصر.
والحقيقة أن تلك الإشاعة كانت مقصودة للتغطية على زواج عبد الحكيم عامر من الفنانة برلنتي عبد الحميد.
كيف عاشت وردة سنوات الاعتزال بعيدًا عن الغناء؟
في الحقيقة، كنت مهتمًا كثيرًا بالتعرف على حياة وردة خلال هذه الفترة التي وصلت إلى 9 سنوات، في البداية، تفرغت لموهبة أخرى، وهي الرسم، فرسمت العديد من البورتريهات واللوحات لأصدقائها، وكانت موهوبة جدًا في ذلك.
وأيضًا تعلمت الطبخ، فكانت طباخة ماهرة جدًا.
وحين كانت تسافر مع زوجها إلى باريس، كانت تشتري كل أسطوانات الغناء المصري وتستمع إليها لمتابعة الحركة الموسيقية، إضافة إلى الإذاعة المصرية.
برأيك، ما أكثر جانب في شخصيتها يفهمه الناس بشكل سطحي، والكتاب حاول تصحيحه؟
أرى أن وردة تجربة مهمة جدًا، وحقيقة اختصارها في بليغ حمدي ظلم كبير لها، فكان الكتاب يهدف إلى إثبات أن وردة سيرة ممتدة، ولم يكن بليغ حمدي سوى جزء منها لثماني سنوات، وكانت لها تجارب أخرى.
هل تناولت في الكتاب علاقتها بالسلطة والسياسة، خاصة في فترات مثل ارتباطها بثورة الجزائر؟
بالطبع، كان لوردة دور سياسي، فمنذ بدايتها الأولى عُرفت بحسها العربي، وكان الوطن العربي مهمًا جدًا بالنسبة لها.
كما أنها دفعت هي وأسرتها ثمن انتمائها لهذه العروبة، فدخل والدها السجن، وعانت العائلة بسبب موقفها الداعم للثورة الجزائرية، وعلى الرغم من ذلك ظلت تغني للثورة الجزائرية، وكانت ممتنة بشدة للرئيس جمال عبد الناصر لأنه ساعد الثورة الجزائرية، وربما لولاه ما كانت لتنتصر.
ما أبرز المعارك الصحفية التي واجهتها وردة؟
كانت من أعنف الأزمات الصحفية لوردة ما كتبه عنها الأستاذ أنيس منصور، حين اشتكت له فايزة أحمد من وردة، فتعاطف معها كثيرًا، وكتب ضد وردة، ووصفها بأنها “حنجرة بلا إحساس”، وكان يرى أن فايزة أحمد هي خليفة أم كلثوم، فكانت سلسلة مقالات عنيفة جدًا.
هل هناك أسرار أو تفاصيل تُنشر لأول مرة عن حياتها العاطفية أو المهنية؟
كان كل ما يهمني في هذا الكتاب هو توثيق حياة وردة، وأن تكون كل الوقائع لها مصادر موثقة، وربما كان من بين أسرارها قصة طلاقها من بليغ حمدي، فقد وثقت الحكاية كاملة في الكتاب، لكن ما يمكنني قوله الآن إنني أطلقت على ذلك الفصل في سيرة وردة “الطلاق الدامي”، لأنه كان صعبًا جدًا على الاثنين، وقد بكيا بعد هذا الانفصال.
هل قابلت معلومات عن حياة وردة وفضلت أن تظل خاصة؟
لا، ربما كانت هناك شائعة عن زواجها بعد بليغ من صحفي أو ناقد فني، لكنها كانت مجرد شائعة، وقد سألت الكثيرين حول حقيقة هذا الأمر، ونفوا ذلك جميعًا، ولم أهتم كثيرًا بالوقوف عند هذه الشائعة.
كيف وصفت وردة حياتها الزوجية مع بليغ؟
أحبت وردة بليغ كثيرًا، وكان بليغ شخصًا لا يشغله سوى الموسيقى والفن، وأحيانًا كان ينسى بعض الأشياء بسبب انشغاله بالتلحين.
وكانت وردة قد خضعت لعملية جراحية صعبة، لكنه لم يذهب إليها أو يزرها. وقد لخصت وردة بليغ في جملة واحدة، فقالت إنه “ملحن عبقري وزوج فاشل”.
ما الحقيقة وراء نسيان بليغ موعد زفافه؟
لقد بحثت كثيرًا وسألت كل من عاصروا تلك الفترة، وتأكدت أن الأمر لم يكن حقيقيًا كما تم تداوله، بل كان السبب الحقيقي أن عبد الحليم حافظ، باعتباره صديقًا مقربًا لبليغ حمدي، أراد أن ينظم له الزفاف، فحجز مكانًا أقرب إلى السهر في أحد الفنادق، ودعا إليه أغلبية الوسط الفني.
وكان بليغ يريد حضور أسرته، والدته وأشقاءه، لكنه لم يكن سيتمكن من دعوتهم في حفل بهذا الشكل، وهو تزوج أساسًا من أجل والدته، وكان محرجًا من عبد الحليم حافظ، ولم يفضل المواجهة، فسافر حتى يجد حلًا لذلك الموقف، لكنه أخبر وردة بالفعل قبل سفره بسبب عدم رضاه عن تلك الترتيبات.
وحين عاد، نظموا زفافًا عائليًا في المنزل، دعا إليه أصدقاءه المقربين وأسرته فقط.
كيف تسببت عفوية وردة في أزمات سياسية؟
حدث في فترة حكم حسني مبارك أنها تعرضت لأزمة بسبب عفويتها وتلقائيتها، ففي إحدى الحفلات الخاصة باحتفالات نصر أكتوبر، رأت الرئيس مبارك مندمجًا مع الغناء، وكان قبلها على المسرح محمد العزبي يغني المواويل، وكان الرئيس يشجعه ويتعامل معه بلطف، ما جعلها تقول بعفوية شديدة للرئيس: “يا ريس ما تغني معانا”، وهو ما جعل البعض يقول إنها كانت سكرى حين قالت ذلك، ومنعت من الغناء لفترة بسبب تلك الحادثة.
وحقيقة الأمر أن كل ذلك حدث ببساطة بسبب تلقائيتها.
كيف تعاملت وردة مع أزمة الانتماء بين مصر والجزائر؟
كانت تلك من أكبر الأزمات في حياة وردة، حتى إنه جاءت فترة بدأ الناس يخيرونها بين كونها مصرية أو جزائرية.
وفي الحقيقة، كانت تنتمي إلى الاثنين معًا، فهي جزائرية الأصل، كما حصلت لاحقًا على الجنسية المصرية.
وفي فترة المنافسة الكروية بين مصر والجزائر، والأزمة التي حدثت بين البلدين وقطع العلاقات حينها، ظلوا يسألونها عن انتمائها، فقالت: “أنا مصرية وجزائرية أيضًا، والفريق الأحق بالوصول إلى كأس العالم أنا معه”، وهو ما اعتبره البعض خيانة لمصر، لكن الحقيقة أنها كانت تعبر بصدق عما بداخلها، لأنها في النهاية جزائرية أيضًا.
ما الرسالة التي تريد إيصالها للجيل الجديد الذي لم يعاصر وردة؟
بالنسبة لهذا الجيل، عليهم جميعًا أن يعلموا أن مشوار الغناء ليس سهلًا، وليس مجرد امتلاك المال أو اللحن الجيد، بل يعتمد على الاستمرار، وكيفية صنع تجربة كاملة والحفاظ على النجاح.
وكانت وردة تتميز بأنها تفكر دائمًا في القادم، فعملت مع بليغ حمدي ومحمد عبد الوهاب وسيد مكاوي، وكانت تفكر دائمًا في النجاح والمغامرة والعمل مع الشباب، مثل جيل حميد الشاعري، فاستمرارية النجاح هي الدرس الحقيقي الذي قدمته وردة طوال مسيرتها.
لو طلب منك أن تلخص وردة في جملة واحدة بعد رحلة البحث الطويلة هذه.. ماذا تقول؟
الحقيقة أنني لخصت وردة في عنوان الكتاب بأنها “صوت وقلب”، فهي صوت عظيم جدًا وقلب امرأة حقيقي.