ما زال العالم في الدائرة ذاتها، يستيقظ كل يوم على أخبار تحمل أوراق جديدة لضغط على أحد الطرفين من الطرف الآخر، ويظل باقي العالم في دور المشاهد الصامت، الذي فقط يتأثر مما يراه على مختلفة الأصعدة.
والآن تفكر إيران في ورقة ضغط جديدة على الجانب الأمريكي والإسرائيلي، فبعد الكثير من الخلافات والتصريحات المتعلقة بالممر الملاحي المهم _مضيق هرمز _ بات اليوم لديهم خطة أخرى، ولا نعرف أكانت لتهدئة الصراع أم اشتداده.
أمريكا تحاول البحث عن مخرج قوي للإنتصار
وفيما يتعلق بذلك الإطار بدأ الأستاذ طلعت طه، المحلل السياسي حديثه “للقصة”، الحرب لم تبدأ بعد وكل ما فات يعد حرب استنزاف للمقدرات الإيرانية والطاقة، وما يسمى بوقف إطلاق النار فهو “هزلي”، وتعد هدنة غير فاعلة، وعندما استخدمت إيران ورقة هرمز الورقة الأقوى بالنسبة لها، لعبت على عامل الوقت والاستفزاز للجانب الأمريكي، ولكنها لم تنسحب.
وتابع : “باتت الآن تجلب لها الكثير من الدول المحملين بما يسمى فتح مضيق هرمز السلمي وتأمين المضيق، وقالت الكثير من الدول أنها ستساعد على فتح المضيق منها ألمانيا، والأمر قد يمتد لعدة أشهر”.

وأكمل: “وعلى الجانب الآخر ذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، وما يظهر أن هذه الزيارة من أجل إيران ولكن الحقيقة ليست كذلك، بل من أجل تأمين تجارته وزيادتها الإقتصاد الأمريكي بشكل عام، ويحاول إقناع الصين بأن تقنع إيران ان تخفف من ثقل من تطلبه وأن توقف الحرب، ولكن الواقع غير ذلك؛ فأمريكا تحاول البحث عن مخرج قوي للإنتصار”.
وأضاف: “الآن أصبحت ورقة مضيق هرمز بالنسبة لإيران أصبحت ورقة قديمة، وهي بدورها الآن تصعد من قوتها وتحاول إغراق أمريكا، والخطوة التالية لها ضرب خطوط الاتصالات بالخليج العربي، وهذا أمر سهل جدًا بالنسبة لها، لأنها تعتقد أن ستدمر الإقتصاد الأمريكي، وعلى الجانب الآخر، أصبحت التكنولوجيا الآن رقم واحد في دولة الإمارات، قطر، الكويت، سلطنة عمان، البحرين والسعودية”.
واختتم: ونحن ضد هذا القرار، ولكن إيران من الممكن أن تفعل هذا الأمر، وهذه الورقة مجرد ورقة تلويح، وهذا لا يعد خنق لمضيق هرمز إنما حرب أخرى من نوع جديد، وربما تكون أكتر سرعة في إثبات أن لها تأثير اقتصادي على الكثير من الدول، واعتقد أنها لن تطبقها؛ لأنها أخطر من مضيق هرمز.
تعطيل تدفق النفط ورد الفعل عالمي
وقال الدكتور إبراهيم جلال فضلون، خبير العلاقات الدولية في هذا السياق، من النفط إلى حرب البيانات، التي تدرك إيران أن تعطيل تدفق النفط يثير رد فعل عالمي فوري وعنيف، غير أن استهداف الكابلات البحرية هو سلاح “المنطقة الرمادية”، الذي يُسبب شللًا اقتصاديًا واجتماعيًا دون إراقة دماء فورية، مما يجعل الرد العسكري الدولي مُحيرًا قانونيًا وتنظيميًا.
وأكمل: ولعل الضغط على دول الخليج، برؤية 2030 وما بعدها تعتمد في المنطقة على التحول الرقمي الكامل، فقطع الكابلات يعني توقف البورصات، تعطل سلاسل الإمداد، وانهيار الخدمات السحابية التي تُدير المدن الذكية، مما يضع الحكومات تحت ضغط شعبي واقتصادي هائل، وقد رأينا فقط مجرد هكر ماذا فعل بأجهزة حكومية بدول الخليج وبنوكها، فما بالنا بقطع كامل.
واستكمل: مضيق هرمز ليس عميقًا جدًا مما يجعل له القدرة على الاستهداف، حيثُ تمتلك إيران غواصات قزمية من فئة “غدير” وطائرات مُسيرة تحت مائية (UUVs) مصممة خصيصًا للعمل في المياه الضحلة، وسلاحها الجديد هو توجيه الدلافين الانتحارية، وكلها وسائل يمكنها بسهولة الوصول إلى قاع البحر وقطع الكابلات باستخدام أدوات قطع هيدروليكية أو عبوات ناسفة صغيرة، لكن هناك عقبة الاكتشاف.
مضيق هرمز شريان الحياة للمعلومات العالمية
وأردف: إيران تريد إعادة تعريف جغرافيا المنطقة، فالمضيق لم يعد ممرًا للوقود التقليدي فحسب، بل هو شريان الحياة للمعلومات العالمية، وقديما كان الخنق النفطي تأثيره ارتفاع أسعار الوقود عالميًا، بهدف الضغط على القوى الكبرى فكان الرد الدولي تدخل عسكري مباشر وفوري، لكن تحول الخنق الرقمي لأثر كبير في توقف التجارة الإلكترونية والخدمات البنكية بهدف شل القوة الناعمة والاقتصادية للدول الإقليمية.
وقال فيما يتعلق بقطع الكابلات كعملاً حربيًا فإنه بموجب القانون الدولي المعاصر في 2026، يتم تصنيف تدمير البنية التحتية الحيوية كـ “هجوم مسلح” إذا أدى إلى أضرار اقتصادية جسيمة أو هدد الأرواح، وهنا يكون الرد العسكري فأي استهداف واسع للكابلات سيُعامل غالبًا كعمل حربي يستوجب ردًا عسكريًا، وكذا القوى الدولية، وضعت “خطوطًا حمراء” بشأن أمن الكابلات البحرية، معتبرة إياها جزءًا من الأمن القومي العالمي.
واختتم فضلون: نحن أمام “نسخة رقمية” من الحرب الباردة، وإيران لا تحتاج لتدمير كل شيء، يكفي أن تُثبت أنها “قادرة” على ذلك لرفع تكاليف التأمين والمخاطر في المنطقة، وسيعود ترامب من الصين خالي الوفاض بأنانية أكثر حدة، لكن التحدي الحقيقي لدول الخليج والمجتمع الدولي ليس في إصلاح الكابلات، بل في بناء “مرونة رقمية” عبر بدائل فضائية؛ لتقليل الاعتماد على القاع المهدد.
إيران وأوراق إنهاء الحرب
كما تطرقنا إلى الجانب الاقتصادي وقال الدكتور محمد الشوادفي، الخبير الاقتصادي” “كان لابد من البحث عن أوراق تستطيع إيران من خلالها إنهاء الحرب فلجأت إلى ورقتين رابحتين وهما مضيق هرمز، باعتباره ممر اقتصادي عالمي يؤثر على التجارة العالمية وكذلك خطوط الإمداد واللوجستيات والطاقة”.
وتابع: “والثانية هي الإنترنت وخطوط المعلومات باعتبارها تمر أيضًا من نفس المضيق وبالتالي ستوقف حركة المعلومات والتجارة، وهذه هي الدوافع الأساسية لإيران للبحث عن أوراق جديدة للضغط على أمريكا، وفيما يتعلق بالمنظور القانوني فإن هذه الأوراق لم يمثلوا عوامل قومية، لكن في هذه الحرب رأت إيران أن تحارب بلا قانون وأن يكون بعيدًا عنها، ويكون القائد غير ملتزم بالقانون وات يعترف بالقانون الدولي”.
وأردف: “ولا ننسى الطرف الإسرائيلي الذي أباد غرة، ويعتدي على أرض لبنان والدول العربية بلا قانون دولي، ويمكن هنا أن نطالب إيران بالإلتزام بالقانون الدولي، ونتيجة لذلك نحن في حرب غير قانونية، أما عن الدول العربية وحمايتها للبنية التحتية الرقمية، فعليها أن تنظر إلى التكتلات والتحالفات الدولية، وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، وشرعية وجود القواعد الحربية الأمريكية في أراضيها باعتبارها أنها لم تحميها، بل كانت القواعد الأمريكية هي الأساس في ضرب الدول الخليجية”.
واختتم الشوادفي: “ولهذه الأسباب عليها أن تبحث في بدائل أخرى لمصادر الطاقة وكذلك لحماية بنيتها التحتية، وعن ما يتعلق بالضغط الرقمي فمن المؤكد أن غلق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة قد أثرت على نمو التجارة الخارجية واللوجستيات وكذلك ارتفاع أسعار الذهب والدولار ووضع الاقتصاد العالمي في حالة ركود وتراجع”.