قفزت أسعار الطماطم في الأسواق المصرية لتسجل مستويات غير مسبوقة بوصول سعر الكيلو إلى 60 جنيهاً، لكون هذا الارتفاع المفاجئ يمثل عبئاً ثقيلاً يضاف إلى كاهل الأسر، إذْ لم تعد السلعة الأساسية في متناول المواطن البسيط، ومن ثَمَّ تحولت الوجبات الشعبية التقليدية إلى ميزانية قائمة بذاتها ترهق المستهلكين بشتى المحافظات.
وترصد “القصة” صدمة الشارع من خلال جولة في الأسواق، حيث عبرت أم محمد، إحدى ربات البيوت بمحافظة الجيزة، عن ضيقها الشديد بعد تفاجئها بالسعر الجديد، قائلة: “أنا نازلة من بيتي مش معايا غير أخر 200 جنيه في جيبي، قولت اجيب 2كيلو طماطم وكيس رز واعمل فتة على آخر كيس فراخ عندي اهى أكله تقعد يومين والحمدلله”.
وتضيف المواطنة في حديثها الاسترسالي أنَّ الغلاء طال كافة تفاصيل المعيشة اليومية، لكون الأسر كانت تلجأ للوجبات البسيطة كالفول بالطماطم لتوفير النفقات، إذْ باتت هذه البدائل الآن تتطلب ميزانية خاصة تتجاوز قدرة الكثيرين، ومن ثَمَّ أصبح المواطنون يمشون يتحدثون إلى أنفسهم في الشوارع بسبب الارتفاع المتواصل للأسعار، لاسيما وأنَّ الميزانية المتبقية لا تكفي لشراء سلع أخرى كالبطاطس لقضاء بقية أيام الأسبوع.
شكوى الباعة.. ركود حركة الشراء وتراجع الإيرادات اليومية في أسواق التجزئة
وعلى بعد أمتار قليلة، يقف عم شحاته، بائع الطماطم، يضرب كفاً بكف متفحصاً إيراده اليومي الذي لم يتجاوز 300 جنيه، لكون حركة البيع والشراء أصيبت بشلل شبه كامل نتيجة عزوف المواطنين، إذْ يؤكد البائع لـ “القصة” أنَّ هذا المبلغ لا يغطي تكلفة قفص واحد من الطماطم النظيفة التي يشتريها لعرضها على عربته.
ويشير البائع إلى أنَّ المشكلة تشمل السوق بأكمله وليست قاصرة عليه وحده، لكون التجار يشترون المحصول بأسعار مرتفعة من المزارعين بالتزامن مع زيادة تكاليف النقل والشحن، ومن ثَمَّ يضطر الباعة لرفع الأسعار رغماً عنهم لتجنب الخسارة، لاسيما وأنَّ الزبائن يصابون بالصدمة بمجرد معرفة السعر ويغادرون دون شراء، مما يترك البضاعة معرضة للتلف.
أزمة الحقول.. تكاليف الأسمدة والموجات الحارة تحاصر المزارع المصري
وفي الجانب الآخر من الحلقة، يقف عم فتحي، أحد مزارعي الطماطم، متفحصاً بقايا محصوله وسط مخاوف من عدم القدرة على سداد ديون الأسمدة المتراكمة، لكون الموسم السابق كبده خسائر مالية فادحة دفعته للتفكير في الهجرة عن هذه الزراعة، إذْ يؤكد لـ “القصة” أنَّ الكثير من جيراني الفلاحين امتنعوا بالفعل عن زراعة الطماطم هذا العام لتجنب تكرار عجز الميزانية.
ويوضح المزارع أنَّ ارتفاع الأسعار كان أمرًا حتميًّا لتعويض التكاليف الباهظة التي يتحملها الفلاح، لكون الموجات الحارة تسببت في انتشار دودة الطماطم مما يتطلب استخدام أسمدة عضوية قوية ومرتفعة السعر مقارنة بالأنواع العادية، ومن ثَمَّ يجد المزارع نفسه مجبراً على زيادة قيمة المحصول ليتمكن من تغطية نفقات الأرض وتوفير قوت يومه.
نقيب الفلاحين.. 5 أسباب وراء اشتعال الأزمة ووعود بانخفاض تدريجي
حصر حسين عبد الرحمن، نقيب الفلاحين، أسباب الأزمة في خمسة عوامل رئيسية تتمثل في قلة المساحات المزروعة وانتشار سوسة الطماطم المعروفة باسم توتا أبسولوتا، لكون التغيرات المناخية غير الملائمة أدت إلى تراجع حاد في معدلات الإنتاج المحلي، مؤكداً في تصريحاته لـ “القصة” أنَّ ارتفاع تكلفة النقل وتدخل الحلقات الوسيطة ساهما بشكل مباشر في إشعال الأسعار بالأسواق.
وأضاف نقيب الفلاحين أنَّ تصدير نحو 19 ألف طن من الطماطم خلال هذه الفترة شكل ضغطاً إضافيًّا على المعروض محليًّا، حيث قال: “نحن نتتج 500 ألف فدان طماطم، بنستهلك حوالي 6 مليون و300 ألف طن طماطم سنويًا، وبنصدر 150 ألف فدان”، مشيرًا إلى أنَّ هذه الأرقام تعكس الفجوة الحالية، لاسيما وأنَّ فئة محدودة من الفلاحين هي التي استفادت من هذه الطفرة السعرية، حيث قال: “بالعكس محلصول الطماطم الآن بعد الزيادة الأخيرة الحصلت للأسعار، حقق مكاسب كثيرة للمزارعين”.
ووعد عبد الرحمن المواطنين بإنهاء الأزمة وتراجع الأسعار تدريجيًّا خلال عشرين يوماً لتصل إلى 25 جنيهاً للكيلو، حيث قال: “انا بوعد المواطنين كلهم أن تعود الطماطم إلى سعرها الطبيعي 25 جنيه بعد عشرين يوم، بعد ظهور أصناف جديدة من طماطم مثل ڤريست والطماطم اللوباريه من مشروع الـ10 آلاف فدان”، لافتاً إلى أهمية تطبيق الزراعة التعاقدية وتحديد سعر ضمان عادل بقيمة 15 جنيهاً لتشجيع الفلاحين على العودة للإنتاج.
واختتم نقيب الفلاحين رؤيته بضرورة توفير بدائل للمواطنين مثل الصلصة الجاهزة في المنافذ الحكومية، لكون نقل المحصول من الحقول إلى منافذ البيع مباشرة بأسعار الجملة يساهم في خفض التكلفة، إذْ يتطلب الوضع الحالي فرض رقابة صارمة على الأسواق لتقليص احتكار التجار وتقليل الحلقات الوسيطة التي ترفع السعر النهائي على المستهلك.
رؤية اقتصادية.. غياب قاعدة البيانات والفاصل بين العروات يعمقان الفجوة
من جانبه، أرجع الدكتور خالد الشافعي، خبير الاقتصاد الزراعي، الارتفاع الراهن إلى ظاهرة الفاصل بين العروات الزراعية التي تؤرق المواطن بشكل مستمر، لكون غياب التنسيق يرفع الأسعار إلى هذه المستويات القياسية، داعياً في حديثه لـ “القصة” كافة الأطراف إلى التكيف المؤقت مع الوضع الحالي لحين حصاد العروات الجديدة التي ستساهم في زيادة المعروض وخفض الأسعار.
واستبعد الشافعي أن يكون التصدير هو السبب الأساسي وراء الأزمة لكون كافة السلع يتم تصديرها دون أن تشهد طفرات جنونية مماثلة، مشدداً على ضرورة وضع رؤية متكاملة بين نقابة الفلاحين ووزارة الزراعة لتحديد احتياجات السوق المحلي وحصص التصدير بدقة، ومن ثَمَّ تفادي تكرار هذه الهزات السعرية التي تعصف بأسعار السلع الاستراتيجية التي لا يستغني عنها أي منزل مصري.
وأكد الخبير الاقتصادي أنَّ أزمة إدارة الأسواق ناتجة بشكل أساسي عن غياب قاعدة بيانات دقيقة تتيح معرفة حجم الإنتاج والتصدير وحجم الفائض المعروض، لكون المنظومة الحالية لعرض السلع تفتقر إلى العدالة، إذْ يطمح المواطن فقط في عودة كيلو الطماطم إلى سعره الطبيعي عند 10 جنيهات دون الالتفات لعوائد التصدير التي لا يستفيد منها بشكل مباشر ما لم توجد منظومة تضمن الاستفادة الحقيقية من العملة الصعبة.
واختتم الشافعي حديثه بالتأكيد على أنَّ تحقيق العدالة السعرية يتطلب إنشاء أسواق نوعية متخصصة في كافة المحافظات والمراكز والمدن الكبرى، لكون هذه الخطوة تضمن عرض السلع بأسعار مناسبة وتحقق توازناً حقيقيًّا لمصلحة المنتج والمستهلك معاً، ومن ثَمَّ تحمي المواطن البسيط من الوقوع فريسة للاحتكار أو استغلال ومغالاة تجار التجزئة في ظل غياب الرقابة الفعالة.