في ظل تصاعد الحديث عن توجهات إيرانية لفرض رسوم مرتبطة بحركة السفن في مضيق هرمز، تتزايد التساؤلات حول أبعاد هذه الخطوة وتداعياتها الاقتصادية والسياسية والقانونية على المنطقة والعالم.
ويُعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي تغيير في آليات الملاحة أو العبور محل اهتمام دولي واسع.
المضيق كورقة نفوذ استراتيجية
وفي هذا السياق، قال الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني، لـ”القصة”، إن ما يجري تداوله حاليًا لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد قرار اقتصادي يهدف إلى تحصيل رسوم من السفن العابرة لمضيق هرمز، بل هو جزء من معركة أوسع تتعلق بالنفوذ والسيادة وأدوات الضغط في واحدة من أكثر المناطق حساسية على مستوى العالم.
وأوضح أن إيران تدرك جيدًا أهمية المضيق باعتباره شريانًا رئيسيًا لتدفق النفط والغاز نحو الأسواق العالمية، ولذلك فإن أي تصريحات أو إجراءات تصدر عنها بشأن الملاحة فيه تُقرأ دوليًا باعتبارها قضية تمس الاقتصاد العالمي، وليس مجرد شأن داخلي أو إقليمي.
الرسوم بين القانون الدولي والخدمات البحرية
وأضاف الدكتور علاء السعيد أن من الضروري التمييز بين رسوم العبور المباشر والرسوم المرتبطة بالخدمات البحرية المختلفة.
وأوضح أن القانون الدولي يفرض قيودًا واضحة على فرض رسوم مباشرة على السفن التي تمارس حق المرور في المضائق الدولية.
وأشار إلى أن الخطاب الإيراني خلال الفترة الأخيرة يميل إلى تقديم هذه الرسوم باعتبارها مقابلًا لخدمات ملاحية أو تأمينية أو إجراءات تتعلق بالسلامة والمرافقة البحرية، وليس باعتبارها ضريبة مباشرة على المرور.
ويرى السعيد أن هذه الصياغة تحمل أبعادًا سياسية وقانونية في آن واحد، إذ تسعى طهران من خلالها إلى تجنب مواجهة قانونية ودبلوماسية واسعة مع المجتمع الدولي.
أبعاد اقتصادية ورسائل سياسية
وأكد السعيد أن الدوافع الاقتصادية لهذا الطرح تبدو مفهومة في ظل الضغوط المالية التي واجهتها إيران خلال السنوات الماضية نتيجة العقوبات والصراعات الإقليمية وتكاليف الإنفاق العسكري والأمني.
لكنه أوضح أن الجانب الاقتصادي ليس العامل الوحيد، فهناك أيضًا رسالة سياسية واضحة مفادها أن إيران لاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في أمن الخليج والممرات البحرية، وأن أي ترتيبات مستقبلية تخص الملاحة أو الطاقة في المنطقة يجب أن تراعي مصالحها.
وبحسب تقديره، فإن الهدف لا يقتصر على تحقيق إيرادات إضافية، بل يمتد إلى تعزيز الموقع التفاوضي الإيراني في أي ترتيبات إقليمية أو دولية مقبلة.
تداعيات عالمية وسيناريوهات المستقبل
وأشار السعيد إلى أن أي رسوم إضافية أو إجراءات قد تؤدي إلى زيادة تكاليف النقل أو التأمين البحري ستنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أسعار الطاقة العالمية، خاصة أن الأسواق تتأثر بالمخاطر المحتملة بقدر تأثرها بالتكاليف الفعلية.
وأضاف أن المستهلك النهائي غالبًا ما يتحمل جزءًا من هذه الأعباء من خلال ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والسلع المختلفة، وهو ما يفسر الاهتمام العالمي الكبير بأي تطورات تتعلق بمضيق هرمز.
ويرى الدكتور علاء السعيد أن الحديث عن تراجع إيراني كامل قد يكون مبالغًا فيه، والأرجح أن تلجأ طهران إلى إعادة صياغة المشروع أو تطبيقه بصورة جزئية أو مشروطة تقلل من حجم الاعتراضات الدولية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة قد تسير في أحد مسارين؛ الأول يقوم على التفاهمات السياسية واحتواء الأزمة ضمن ترتيبات أوسع تتعلق بالأمن البحري والملفات الإقليمية، بينما يتمثل الثاني في التصعيد التدريجي إذا شعرت الأطراف المختلفة بأن حرية الملاحة باتت مهددة.
ومع ذلك، تبقى فرص التفاوض والتعديل أكبر من احتمالات المواجهة الشاملة، في ظل إدراك الجميع لحجم الخسائر الاقتصادية التي قد تنجم عن أي اضطراب.