لم يعد رغيف الخبز المدعم في مصر مجرد سلع إستراتيجية، بل هو خط الدفاع الاجتماعي الاخير لملايين الأسر والمحدد الرئيسي للسلام الاجتماعي.
وفي هذا السياق يسير تطبيق منظومة الخصم المباشر للخبز المدعم نقاشا واسعا يتجاوز حدود إعادة الهيكلة الإدارية لوزارة التموين حيث يقف هذا التحول التقني على مفترق طرق حاسمة.
الخصم المباشر هو منظومة مالية و محاسبية تستهدف تنظيم وتسوية المعاملات بين أطراف سلسلة إمداد الخبز المدعم، وبصفة خاصة بين المطاحن والمخابز البلدية، بما يضمن إحكام الرقابة على حركة الدقيق المدعم وتعزيز كفاءة إدارة الموارد، ومن المهم التأكيد على أن هذه المنظومة لا تمس حق المواطن في الحصول على الخبز المدعم، ولا يترتب عليها أي تغيير في سعر رغيف الخبز أو آليات صرفه المستفيدين، هكذا بدأ الدكتور أحمد كمال، مساعد وزير التموين والتجارة الداخلية للشؤون الفنية والمشروعات والمتحدث الرسمي باسم الوزارة، حديثه لـ “القصة”.
أكد كمال أن منظومة الخصم المباشر لا ترتبط على الإطلاق بتحديد المستحقين للدعم أو استبعادهم، حيث إنها منظومة تشغيلية ومحاسبية خاصة بإدارة حركة الدقيق والتسويات المالية بين الجهات المتعاملة داخل منظومة الخبز المدعم.
وتابع، أما ما يتعلق بملف الحماية الاجتماعية واستحقاق الدعم، فهو يخضع لمحددات ومعايير تصدرها الدولة بشكل متكامل، استناداً إلى قواعد بيانات محدثة ومؤشرات اقتصادية واجتماعية تهدف إلى ضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً، وذلك بالتنسيق بين الجهات المعنية، وبما يحقق العدالة الاجتماعية وكفاءة الإنفاق العام.
كما أوضح، أن عمليات التطوير وإعادة الهيكلة تسهم في تعزيز منظومة الحوكمة والرقابة من خلال الاعتماد على النظم الرقمية الحديثة، وإتاحة تتبع حركة السلع المدعمة بشكل لحظي، بما يحد من أي ممارسات غير قانونية أو أوجه هدر قد تؤثر على كفاءة منظومة الدعم.
وأشار إلى أن التكامل بين قواعد البيانات المختلفة، وتطبيق نظم المراجعة الإلكترونية، يسهمان في رفع كفاءة استهداف الدعم، وضمان توجيه الموارد إلى مستحقيها، بما يتسق مع توجه الدولة نحو بناء منظومة حماية اجتماعية أكثر كفاءة واستدامة، تحقق التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات التنمية الاقتصادية، لافتا أن وزارة التموين والتجارة الداخلية شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً كبيراً في البنية التكنولوجية والرقمية، سواء فيما يتعلق بمنظومة بطاقات التموين أو منظومة الخبز المدعم، وهو ما أسهم في رفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين وتعزيز قدرات المتابعة والرقابة.
وأوضح أنه قد تم تصميم منظومة الخصم المباشر باعتبارها منظومة داخلية لإدارة وتسوية المعاملات بين أطراف التشغيل، مع تنفيذ مراحل تجريبية وتقييم مستمر للأداء قبل التوسع في التطبيق، وتحرص الوزارة على ضمان استقرار المنظومة وعدم تأثر الخدمات المقدمة للمواطنين بأي تحديثات أو إجراءات تطويرية، مع وجود خطط بديلة وآليات دعم فني للتعامل مع أي تحديات قد تطرأ خلال مراحل التنفيذ.
تأثير نظام الخصم المباشر على محاسبة المخابز وتوريد الدقيق
وفى هذا الصدد، يوضح عبدالله غراب، رئيس شعبة المخابز باتحاد الغرف التجارية، أن النظام الحالي يسير كما هو حتى يتم الوصول إلى مرحلة تطبيق الدعم النقدي، مشيرا إلى أن هذه تعتبر مرحلة انتقالية.
وتابع، فى تصريحات خاصة لـ “القصة” “أن في السابق، كانت الدولة أو الوزارة تقوم مقام صاحب المطحن وصحابة المخبز في عملية الشراء؛ حيث كانت الوزارة تشتري القمح و تبعت المطاحن، والمخابز تأخذ من المطاحن لتخرج رغيف العيش الذي كان يستفيد منه المواطن الذي معه بطاقة التموين بواقع خمسة أرغفة لكل فرد”
واستكمل، أما النظام الجديد، فيتمثل في أن الأموال التي تخص المخابز ستكون موجودة في البنك، ويضطر أصحاب المخابز إلى سحبها من البنك وتوريدها للمطاحن للشراء بأنفسهم بعد أن رفعت الجهات المعنية يدها عن هذه الخطوة.
وأضاف، أنهم يحاولون حاليا إيجاد نظام مريح للناس لتجنب مشقة وجهد وتكلفة الذهاب إلى البنك كل يوم ثم إلى المطحن، ومحاولة تنظيم هذه العملية مع الشركات التي كانت تعمل معهم لتتولى البنوك والمطاحن إدارتها معا كما كانت تفعل السلع سابقا.
موقف وزن وجودة رغيف الخبز المدعم في ظل النظام الجديد
أكد رئيس شعبة المخابز أن رغيف الخبز المدعم سيظل كما هو بوزن 90 جراما وبسعر 20 قرشا، دون أي زيادة أو أي شيء يمس المواطن لا من قريب ولا من بعيد، وأوضح أن كل ما هنالك هو تغير في الآلية، فبدلا من أن كانت الهيئة هي التي تستورد القمح وتهدف لارساله للمطاحن لكي تطحن ويأخذ منها المخابز، تم قطع هذه الحلقة لتصبح العملية أن المخبز يذهب لجلب القمح الخاص به بالثمن، والمطحن يذهب لجلب الدقيق بالثمن وتستمر الأمور بشكل طبيعي.
تطورات تحمل الأعباء المالية وفترة الانتقال للدعم النقدي
و يبين “غراب” فى نهاية حديثه أن التكلفة الحالية جاءت تزامنا مع الدعم النقدي عندما قيل إن رغيف الخبز سيصبح 70 جراما وغيرها من الأقاويل، وهو الأمر الذي أرجئ مؤقتا، وأشار إلى أنه نظرا لفترة توقف الأعباء التي تجددت عليهم، فقد قامت الوزارة بتحمل 50 جنيهًا إضافية على كل جوال دقيق، واستمرت الوزارة في تحمل هذا المبلغ لحين الوصول إلى عملية الخصم بالدعم النقدي وغيره من الإجراءات التنظيمية القادمة.
الخصم المباشر وإعادة هيكلة المنظومة
ومن زاوية تحليلية اقتصادية، الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، أن يقصد بالخصم المباشر أو التحول نحو الدعم النقدي المباشر تقديم مساعدة مالية محددة ومباشرة للمستحقين من الأسر الأولى بالرعاية، بدلاً من دعم أسعار السلع والخدمات في الأسواق بشكل عام، تهدف هذه الخطوة إلى استبدال الدعم العيني المستند إلى دعم السلع من المصدر بآلية تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين عبر تحويلات مالية أو بطاقات ذكية محددة القيمة، يستفيد من هذا التحول بشكل أساسي الفئات الأكثر احتياجاً والأسر المدرجة ضمن برامج الحماية الاجتماعية.
وتابع الشافعي، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن التحول إلى الدعم النقدي وإعادة هيكلة المنظومة يمثلان خطوة ضرورية للحد من الهدر ومنع تسرب الدعم لغير مستحقيه، موضحًا أن الدعم النقدي يعد أفضل اقتصاديًا من الدعم العيني لأنه يحد من التشوهات السعرية، لكنه شدد على أن نجاحه مرهون بتحديث قيمته باستمرار لمواكبة التضخم وضمان حماية المستحقين.
أثر إعادة رسم الخريطة على القوة الشرائية للطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل
كما أوضح “الخبير الاقتصادي” أن القوة الشرائية تتأثر بمستويات متفاوتة بناء على موقع كل فئة في خريطة الاستحقاق الجديدة، بالنسبة للفئات محدودة الدخل والأسر الأكثر احتياجا، يمكن أن يسهم الدعم النقدي المباشر في تحسين قدرتهم على مواجهة متطلبات الحياة الأساسية شرط أن تغطي القيمة النقدية فروق أسعار السلع والخدمات بعد رفع الدعم عنها، يمنحهم التحويل المباشر مرونة في إدارة ميزانية المنزل وتوجيه الإنفاق نحو مجالات حيوية كالصحة أو التعليم بدلا من التقيد بسلة سلع محددة، ولكن يظل التحدي الأكبر أمام هذه الفئة هو مدى سرعة استجابة قيمة الدعم لارتفاع أسعار المعيشة.
واستكمل، أما الطبقة المتوسطة، فغالبا ما تمثل الحلقة الأكثر تأثرا بإعادة رسم خريطة الحماية الاجتماعية، تعاني هذه الطبقة من ضغوط مزدوجة، حيث تجد نفسها خارج نطاق استهداف برامج الدعم النقدي المباشر باعتبارها أعلى دخلا من خط الفقر المعرف، وفي الوقت نفسه تتأثر بشكل مباشر بالارتفاع الشامل في أسعار الطاقة والوقود والخدمات والسلع بعد رفع الدعم الضمني عنها، يؤدي ذلك إلى تآكل تدريجي في دخلها الحقيقي وقوتها الشرائية.
الضمانات الاقتصادية لنجاح المنظومة على المدى الطويل
وأكد الشافعي أن نجاح منظومة الدعم النقدي المباشر يتطلب ربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم وأسعار السلع الأساسية بصورة دورية، لضمان الحفاظ على القوة الشرائية للمستحقين في ظل تقلبات الأسعار وسعر الصرف.
وتابع أن الضمانة الثانية تتمثل في دعم الإنتاج المحلي، خاصة في الزراعة والصناعة، لتقليل الاعتماد على الاستيراد والحد من تأثير التضخم العالمي وتقلبات سعر الصرف، إلى جانب تشديد الرقابة على الأسواق ومكافحة الاحتكار لمنع الزيادات غير المبررة في الأسعار.