في ظل التحركات الإقليمية لإعادة ترتيب المشهد الأمني في الخليج والبحر الأحمر، يبرز «تحالف مكة» الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان باعتباره تطورًا يفرض حسابات جديدة على إيران، خصوصًا مع ارتباطه بالتطورات الجارية في اليمن وما تشهده المنطقة من توترات أمنية. ولا يتوقف تأثير التحالف عند التعاون العسكري، إذ يطرح ظهوره أسئلة حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول الثلاث، ومستقبل علاقتها بإيران، وكذلك شكل الدور الأمريكي في ترتيبات الأمن الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
ويقول الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشؤون الإيرانية، لـ«القصة»، إن إيران تنظر إلى «تحالف مكة» بحذر، حتى وإن كان خطابها العلني لا يتجه إلى مواجهته بصورة مباشرة، موضحًا أن المشكلة بالنسبة إلى طهران لا تتعلق بمجرد ظهور تحالف إقليمي جديد، وإنما بطبيعة هذا التحالف وإمكانية تحوله من إطار سياسي وأمني إلى منظومة دفاع جماعي قادرة على التحرك الفعلي، خاصة مع الانتقال إلى خطوات عملية تتعلق بالقوات والقدرات العسكرية وآليات الانتشار.
ويضيف السعيد أن إيران تدرك أن أي منظومة أمنية تجمع السعودية وباكستان وتركيا تفرض عليها حسابات مختلفة، مشيرًا إلى أن السعودية تمتلك ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وموقعًا مهمًا في الخليج، بينما تمتلك باكستان قوة عسكرية وقدرات استراتيجية، في حين تتمتع تركيا بجيش كبير وصناعات دفاعية متطورة ونفوذ إقليمي واسع. ويوضح أن نجاح هذه الدول في تحويل التحالف إلى آلية أمنية وعسكرية مستدامة سيجعل طهران غير قادرة على التعامل معه باعتباره مجرد تفاهم سياسي عابر.
ويشير الخبير في الشؤون الإيرانية إلى أن أكثر ما يقلق إيران هو انتقال تداعيات تحركات حلفائها من الساحات المحلية إلى مستوى إقليمي أوسع، معتبرًا أن اليمن يمثل مثالًا واضحًا على ذلك. فطهران استفادت طويلًا من وجود الحوثيين كورقة ضغط بالقرب من الحدود السعودية وعلى البحر الأحمر وباب المندب، إلا أن المعادلة تصبح مختلفة إذا أدت تحركات الحوثيين إلى بناء رد جماعي من عدة دول، لأن ذلك يعني ارتفاع تكلفة استخدام هذه الورقة بالنسبة إلى إيران نفسها.
ويقول السعيد إن «تحالف مكة» يمكن أن يدفع طهران إلى إعادة حساباتها في اليمن، لكن ذلك لا يعني بالضرورة التخلي عن الحوثيين أو تقليص العلاقة معهم بصورة جذرية، موضحًا أن الحوثيين يمثلون ورقة استراتيجية مهمة لإيران، ومن غير المتوقع أن تتخلى طهران عنها بسهولة. لكنه يشير إلى أن إيران قد تصبح أكثر اهتمامًا بضبط مستوى التصعيد ومنع وصوله إلى النقطة التي تمنح خصومها مبررًا لبناء جبهة عسكرية إقليمية أكثر اتساعًا وتماسكًا.
وفيما يتعلق بطريقة تعامل إيران مع التحالف، يقول السعيد إن طهران لن تختار على الأرجح المواجهة العسكرية المباشرة معه ما لم تُفرض عليها هذه المواجهة، معتبرًا أن التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية تشير إلى تفضيل العمل في المساحات الواقعة بين الحرب والسلام، من خلال الضغط السياسي وأوراق النفوذ والحلفاء المحليين والرسائل العسكرية المحسوبة، مع محاولة إبقاء المواجهة المباشرة تحت سقف معين. ويضيف أن الهدف الأساسي لطهران سيكون منع تحول «تحالف مكة» إلى تحالف موجه صراحة ضد إيران.
ويمثل العامل الباكستاني، بحسب السعيد، أحد أكثر عناصر المعادلة حساسية بالنسبة إلى طهران، إذ إن العلاقة الإيرانية الباكستانية معقدة لكنها ليست علاقة عداء، في ظل وجود حدود مشتركة ومصالح اقتصادية وأمنية، إلى جانب ملفات شائكة تتعلق ببلوشستان والجماعات المسلحة وأمن الحدود. ولذلك، ستسعى إيران إلى الحفاظ على قنواتها مع إسلام آباد، وربما محاولة الاستفادة من باكستان باعتبارها قناة لاحتواء التصعيد، بدلًا من السماح بتحولها إلى طرف في مواجهة مفتوحة معها.
ويؤكد السعيد أن طهران ستعمل على الفصل بين علاقتها الثنائية مع باكستان وبين عضوية إسلام آباد في «تحالف مكة»، وستحاول إقناع الجانب الباكستاني بأن استقرار المنطقة يتطلب ألا يتحول التحالف إلى أداة لاستهداف إيران أو تغيير التوازنات الإقليمية بالقوة.
وفي المقابل، يرى الأستاذ نعمان أبو عيسى، الكاتب والباحث السياسي، أن الولايات المتحدة تحالفت مع العديد من دول الخليج العربي منذ سبعينيات القرن الماضي بشكل استراتيجي، بهدف حماية هذه الدول وتأمين خطوط النفط وضمان وصول إمدادات الطاقة إلى العالم، مشيرًا إلى أن هذه المنظومة شملت السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعمان بأدوار مختلفة. ويضيف أن الهدف الثاني للولايات المتحدة في المنطقة يتمثل في حماية أمن إسرائيل.
ويشير أبو عيسى إلى أن هذه المنظومة شهدت تغيرات خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد التطورات العسكرية التي شهدتها المنطقة، وما وصفه بزيادة اعتماد دول المنطقة على نفسها في ظل تعرض قواعد أمريكية في دول عربية لهجمات إيرانية. ويرى أن هذه التطورات يمكن أن تؤدي إلى تغيير استراتيجي في المنطقة، مع بدء تشكل تكتلات وتحالفات جديدة، من بينها «تحالف مكة» الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان.
ويشير أبو عيسى إلى أن امتلاك باكستان للسلاح النووي لا يعني أنها ستستخدم قدراتها النووية لتكون مظلة نووية للمنطقة، موضحًا في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة ستظل، من وجهة نظره، صاحبة دور أساسي في توفير المظلة الأمنية والاستراتيجية وحماية البحار والأجواء، لكنها في الوقت نفسه ترحب بوجود تحالف إقليمي فعال في حماية الأراضي السعودية، معتبرًا أن واشنطن تريد ألا يؤدي ظهور هذه التحالفات إلى إخراجها من معادلة الأمن الإقليمي.
ويوضح الكاتب والباحث السياسي أن الولايات المتحدة تريد أن تظل جزءًا من هذه المنظومة، مع استمرار دورها في القضايا الاستراتيجية الكبرى، بالتوازي مع وجود تحالفات إقليمية تضم حلفاءها في تركيا والسعودية وباكستان. ويلفت إلى أن هذه التحالفات تأخذ تصورًا أعمق مع محاولة هذه الدول مساعدة السعودية في مواجهة الحوثيين في اليمن، مؤكدًا أن ذلك لا يعني بالضرورة اندلاع حرب مباشرة بين السعودية واليمن، وإنما قد يؤدي إلى تغيير في التوازن العسكري والاستراتيجي.
ويرى أبو عيسى أن تغير التوازن العسكري يمكن أن يفتح المجال أمام اتفاق تفاوضي بين الأطراف، كما يمكن أن يمنح المنطقة قدرًا أكبر من القوة، ويمنح الولايات المتحدة أوراقًا إضافية في التفاوض مع إيران بهدف إنهاء الحرب والتوصل إلى ترتيبات جديدة في المنطقة.
لكن بالنسبة إلى السعيد، يظل الاختبار الحقيقي لـ«تحالف مكة» مرتبطًا بقدرته على تحويل مبدأ الدفاع الجماعي إلى واقع مستدام، وليس بمجرد صدور البيانات السياسية. ويوضح أن التحالفات العسكرية لا تقاس بإعلان تأسيسها فقط، وإنما بقدرتها على الاستمرار، وبناء قيادة مشتركة، وتبادل المعلومات، وتنسيق العمليات، واتخاذ القرار في لحظة الأزمة، والأهم استعداد أعضائها لتحمل تكلفة الدفاع الجماعي عندما يقع الاختبار الحقيقي.
ويشير السعيد إلى أنه إذا نجح التحالف في بناء هذه الآليات، فقد تكون إيران أمام تحول مهم في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، لأن طهران بنت جزءًا كبيرًا من نفوذها الإقليمي على التعامل مع خصوم متفرقين واستخدام حلفائها في ساحات متعددة دون أن يؤدي كل تحرك بالضرورة إلى رد جماعي واسع. ويقول إن التأثير الأهم لـ«تحالف مكة» لن يكون بالضرورة في تقليص النفوذ الإيراني فورًا، وإنما في رفع تكلفة استخدام هذا النفوذ.
ويختتم السعيد بأن طهران قد تحتفظ بأوراقها، لكنها ستضطر إلى التفكير بصورة أكثر دقة في توقيت استخدامها وحجم استخدامها والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها.