تشهد قضية مياه النيل تطورات متسارعة في ظل استمرار الخلافات بين دول الحوض، خاصة فيما يتعلق بملف سد النهضة، وسط تساؤلات حول تأثير التدخلات الإقليمية والدولية على فرص التوصل إلى تفاهمات تضمن مصالح جميع الأطراف وتحافظ على الأمن المائي لدول المنطقة.
خلافات تاريخية سبقت التدخلات الخارجية
وفي هذا السياق قال الدكتور عباس شراقي خبير الأمن المائي لـ”القصه” إن ملف النيل لم يكن خاليًا من الخلافات عبر التاريخ، موضحًا أن مصر سعت منذ أكثر من 150 عامًا إلى تنظيم العلاقات المائية مع دول الحوض من خلال اتفاقيات متعددة، بدأت باتفاقية عام 1891، ثم اتفاقية 1902، وصولًا إلى نحو 15 اتفاقية تناولت حقوق الاستخدام والتعاون بين الدول المعنية.
وأضاف، أن هذه الاتفاقيات جاءت نتيجة وجود مشاورات ومفاوضات مستمرة بهدف تجنب النزاعات المستقبلية، مشيرًا إلى أن الخلافات داخل حوض النيل ليست جديدة، بل تعود إلى عقود طويلة.
كما لفت إلى أن آخر المحطات الخلافية تمثلت في اتفاقية عنتيبي الإطارية التي وقعت عليها معظم دول الحوض، بينما رفضت مصر والسودان التوقيع عليها بسبب بعض البنود محل الخلاف.
أطراف دولية وإقليمية حاضرة في المشهد
وأوضح شراقي، أن المشكلات بين دول الحوض تتأثر أحيانًا بوجود أطراف خارجية تمتلك مصالح استراتيجية في المنطقة، مؤكدًا أن بعض القوى الأجنبية تسعى إلى تعزيز نفوذها داخل دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي.
وأشار إلى وجود قواعد عسكرية وقوى دولية فاعلة في القرن الإفريقي، وهو ما يعكس تشابك المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة.
وأضاف أن هناك دولًا ترتبط بمصالح مع مصر، وأخرى تربطها مصالح مع إثيوبيا، ما يجعل قضية النيل تتجاوز في بعض جوانبها العلاقات الثنائية بين دول الحوض لتصبح جزءًا من توازنات إقليمية أوسع.
الاضطرابات الداخلية وتأثيرها على مفاوضات سد النهضة
وأكد الدكتور عباس شراقي أن التطورات السياسية والأمنية داخل مصر والسودان وإثيوبيا لعبت دورًا في إبطاء مسار المفاوضات المتعلقة بسد النهضة.
وأوضح أن الدول الثلاث شهدت خلال السنوات الماضية فترات من عدم الاستقرار السياسي، من بينها ثورة يناير 2011 في مصر، والتغيرات السياسية في السودان منذ عام 2018، إضافة إلى الاضطرابات الداخلية في إثيوبيا.
وأشار إلى أن إثيوبيا تضم عشرات المجموعات العرقية المختلفة، وهو ما يفرض تحديات داخلية معقدة قد تنعكس على عملية صنع القرار.
وأضاف أن عدم الاستقرار الداخلي في الدول الثلاث كان من بين العوامل التي ساهمت في تأخير الوصول إلى اتفاق نهائي بشأن سد النهضة.
هل يتحول الصراع على المياه إلى مواجهة مفتوحة؟
وفيما يتعلق بمستقبل الصراع على المياه، استبعد شراقي أن تتطور الخلافات الحالية إلى صراع عسكري مباشر، رغم استمرار التباينات بين دول المنطقة.
وأوضح أن باب التفاوض لا يزال قائمًا، وأن الحل الأمثل يتمثل في استئناف المفاوضات والتوصل إلى اتفاقات ثنائية أو جماعية تحقق مصالح جميع الأطراف.
وأضاف أن إمكانية الوصول إلى اتفاق شامل بين دول حوض النيل تظل قائمة، خاصة إذا تم التعامل مع النقاط الخلافية في اتفاقية عنتيبي وإجراء تعديلات تحقق التوازن بين مصالح مصر والسودان وبقية دول الحوض، بما يسهم في تعزيز التعاون الإقليمي وتحقيق الاستقرار المائي في المستقبل.
مستقبل التعاون المائي
ويرى مراقبون أن ملف النيل سيظل أحد أهم ملفات الأمن القومي والتنمية في المنطقة خلال السنوات المقبلة، في ظل تزايد الضغوط المرتبطة بالنمو السكاني والتغيرات المناخية.
وبينما تتشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية، يبقى الحوار والتفاوض الطريق الأكثر واقعية للوصول إلى حلول مستدامة تحفظ حقوق جميع الأطراف وتجنب المنطقة مزيدًا من التوتر.
اتفاقيات تاريخية وخلافات مستمرة
ومن جانبه، قال الدكتور محمد محمود مهران أستاذ العلاقات الدوليه، لـ “القصة”، إن ملف النيل تحكمه مجموعة من الاتفاقيات التاريخية، أبرزها اتفاقيات 1902 و1929 و1959، التي تؤكد الحقوق المائية لمصر والسودان، إلا أن إثيوبيا ترفض الاعتراف بها باعتبارها اتفاقيات أُبرمت في ظروف تاريخية مختلفة.
فراغ قانوني يعقد الأزمة
وأوضح أن الأزمة تكشف عن وجود فراغ تشريعي في القانون الدولي المائي، خاصة مع تعثر اتفاقية عنتيبي وغياب معاهدة دولية ملزمة تنظم استخدام مياه النيل، مشيراً إلى أن عدم انضمام إثيوبيا لاتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية يزيد من تعقيد المشهد القانوني.
القوى الدولية لاعب رئيسي
وأشار مهران إلى أن الصين وإيطاليا والولايات المتحدة أصبحت أطرافاً مؤثرة في ملف النيل، سواء عبر التمويل أو المشروعات أو الوساطات السياسية، ما جعل الأزمة تتجاوز إطارها الإقليمي لتصبح قضية ذات أبعاد دولية واستراتيجية
معاهدة ملزمة لضمان الحقوق
وشدد على أن الحل الحقيقي يكمن في التوصل إلى معاهدة قانونية ملزمة تضمن الحقوق التاريخية لمصر والسودان وتحقق الاستخدام العادل للمياه بين جميع دول الحوض، مع إنشاء آلية رقابة دولية تضمن الالتزام بالتفاهمات وتدعم التعاون بدلاً من الصراع.
واختتم مؤكداً أن تحويل المياه إلى أداة للتنمية المشتركة والتعاون الإقليمي يظل السبيل الأمثل لتجنب تفاقم الخلافات وحماية الأمن المائي لدول حوض النيل