أحيانًا يتعامل البعض مع مصر وكأننا بلد لا تحمل 7000 عام من الحضارة والتجارب والأحداث في رحمها، وكأن تاريخ مصر بدأ من (كام) سنة.. ليس من باب الإهانة لا سمح الله، بل ربما تقصير في دراسة تاريخ مصر (فضلًا عن تاريخ العالم).
ومن أهم نتائج هذه الظاهرة التعامل مع بعض الأحداث والوقائع والأزمات بوصفها أحداثًا جديدة تحتاج إلى الابتكار والمساهمة في إيجاد حلول لمواجهة المستجدات التي لا سوابق لها ولا تاريخ.
خذ أزمة صلاح عبد المقصود أو تكريم مجلس نقابة الصحفيين عام 1995، وهو المجلس الذي قاد نضال الصحافة ضد القانون المشبوه حتى أسقطه.
فبعد 30 عامًا رأى مجلس النقابة الحالي تكريم المجلس المشار إليه، وفجأة انفجرت تعليقات واعتراضات واتهامات؛ لأن هذا المجلس كان يضم العضو صلاح عبد المقصود الإخواني، والذي شغل منصب وزير الإعلام في عام حكم الإخوان الأسود، وتورط فيما تورطت فيه جماعة الإخوان.
ولم يرضَ المعترضون والغاضبون بأن النقابة لم تمنح صلاح عبد المقصود درعًا مثل زملائه، ولم يذكر اسمه صراحة في الاحتفال.
فهؤلاء الغاضبون لا يرضون سوى بقطع دابر صلاح عبد المقصود من مجلس 1995، أو حتى المجالس السابقة. مفيش صلاح عبد المقصود سوى الوزير الإخواني الإرهابي.
خطر لي أن أستاذًا جامعيًا يدرس التاريخ أو العلوم السياسية، وكان الأستاذ يحاضر في تاريخ حزب الوفد والحركة الوطنية.
تصورت أن هذا الأستاذ بدأ الحديث عن صاحب فكرة تكوين الوفد للسفر إلى مؤتمر، فيسكت الأستاذ متحيرًا، ويقول أخيرًا: يرى بعض الأساتذة أن (اللي ما يتسماش) هو أول من فكر في تكوين الوفد.
ثم ينتقل الأستاذ وسط الطلاب إلى الأعضاء الذين تم نفيهم إلى مالطا، زعماء الأمة الوطنيين، وهو الحدث الذي أشعل ثورة 1919.
فيعاود الأستاذ الصمت، ثم يقول: طبعًا الوفد الذي نُفي كان يضم الزعيم سعد زغلول وحمد الباسل واثنين من اللي ما يتسموش.
وبالطبع ضم الوفد إسماعيل باشا صدقي ومحمد باشا محمود، الذي يشار إليه تاريخيًا بأنه أول من كان صاحب اقتراح تشكيل الوفد.
وقد انتهى المطاف بمحمد باشا محمود ليكون أسوأ وزير داخلية، ولا ينافسه في اللقب إلا إسماعيل باشا صدقي، الذي لُقب فيما بعد بـ(عدو الشعب).
انقلب صدقي باشا على أصدقاء الأمس ورفقاء الجهاد والنضال، وألغى دستور 23 الذي وضعه أول برلمان مصري منتخب بقيادة الزعيم سعد زغلول، ثم استبدله بدستور 30 الذي زاد صلاحيات الملك على حساب الحكومة والشعب.
ومع ذلك لا يمكن لأي عاقل أن يقبل بالعبث الذي تصورته من أستاذ يدرس التاريخ. فسواء شئنا أم أبينا، فإن صدقي باشا ومحمد محمود من زعماء الوفد في بداية انطلاقه.
ولذلك لم ولن أفهم لماذا يتصور البعض أن قصة أو أزمة أو حادثة صلاح عبد المقصود سابقة لم تحدث تاريخيًا، ولا في تاريخ غيرنا، وأن بعض الناس تتغير مواقعها ومواقفها وآراؤها دون أن يؤدي ذلك إلى حذف أو نسف اسمها من أي أعمال أخرى قامت بها.
وفي جميع أنحاء العالم لم يجرؤ مجنون على المساس بالتاريخ وأحداثه وشخوصه لأي سبب، بما في ذلك الخيانة العظمى أو الانقلاب الحاد.
وبالطبع سيكون من العبث أن نناقش وسط هذا الجو المحموم أن الصحافة تحديدًا واجبها، وأحد مهامها وتقاليدها وأخلاقها، يلزمها بعدم تحريف أو تزوير أو حذف أي معلومة تاريخية أو وقائع.
ولكن، وكما قلت، من العبث أن نتحدث بالعلم أو المنطق في هذا المناخ. ربما من الأفضل أن نتذكر قمة العبث المتصل بالأسماء.
فحين انفجر الغضب من المفكرين والنقاد ضد فيلم اللمبي للفنان محمد سعد، واعتبروه فيلمًا يروج للألفاظ الغريبة والبلطجة، أصرت الرقابة على رفض اسم الجزء الثاني من اللمبي، وكان يحمل اسم “اللمبي 2″، ولكن الرقابة وافقت على الاسم الجديد: (اللي بالي بالك).