نبهني صديقي المثقف إلى أن هذا العام يوافق مرور مائتي عام على ابتعاث أول بعثة تعليمية كبرى من مصر إلى أوروبا عام 1826، والتي ضمت أربعة وأربعين طالباً، كان من بينهم الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، وقد توجهت البعثة إلى فرنسا، حيث كانت آنذاك في ذروة تقدمها العلمي، فمثّلت تلك الخطوة بداية حقيقية لانفتاح مصر على علوم العصر وتطبيقاته، في لحظة تاريخية كانت الدولة المصرية تسعى فيها إلى إعادة بناء ذاتها على أسس حديثة، لا بالشعارات بل بتغيير أدواتها نفسها.
لم تكن تلك البعثة مجرد رحلة علمية للحصول على شهادات، بل كانت جزءاً من مشروع متكامل لبناء دولة حديثة، استهدفت إعداد كوادر قادرة على إدارة مؤسسات الدولة، وتطوير الجيش، والنهوض بالمشروعات العمرانية، ونقل ما يمكن نقله من خبرات وتقنيات، وهنا يبرز فارق جوهري بين امتلاك المعرفة وامتلاك القدرة على تطبيقها، فالعلم في ذاته لا يصنع نهضة، وإنما الذي يصنعها هو تحويله إلى ممارسة وتطبيق، وإلى مؤسسات لديها القدرة على التأثير في الواقع، وقد تجلت هذه الفكرة بوضوح في مسارات عدد من أعضاء تلك البعثة، الذين عادوا ليشغلوا مواقع مؤثرة في الإدارة والتعليم والجيش والزراعة، وأسهموا في تأسيس مؤسسات حديثة استمرت آثارها لعقود، لم تكن قيمة البعثة فيما حصّله أفرادها من علوم، بل في قدرتهم على تحويل هذه العلوم إلى تطبيقات عملية داخل مؤسسات الدولة.
بدأت مصر بعودة البعثة مرحلة تحديث تجسدت في حركة ترجمة نشطة، وفي تطوير التعليم، وإعادة تنظيم أجهزة الدولة، وكان الطهطاوي نموذجاً لهذا التحول، حين نقل صورة دقيقة للمجتمع الفرنسي في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، ودعا إلى الاستفادة من منجزات الغرب دون التفريط في الهوية، أن ننفتح على العالم دون أن نذوب فيه، وأن نأخذ من تجاربه ما يعزز تقدمنا دون أن نفقد خصوصيتنا، تلك المعضلة المطروحة حتى اليوم ولكن في سياق أكثر تعقيداً وأسرع إيقاعاً، فقد مر التطور العالمي بتحولات كبرى، بدأت بالثورة الصناعية الأولى القائمة على البخار، ثم الثانية القائمة على الكهرباء والإنتاج الضخم، ثم الثالثة التي أدخلت الحواسيب والإلكترونيات، وصولاً إلى الثورة الصناعية الرابعة التي نعيشها اليوم، حيث الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والبيانات الضخمة، هذه التحولات لم تكن مجرد تطور تقني، بل أعادت تشكيل الاقتصاد والمجتمع، بل وطبيعة الإنسان نفسه، وأعادت تعريف معنى العمل والإنتاج والقيمة.
ما نشهده اليوم يطرح سؤالاً ملحاً، إلى أين يتجه مسار التطور؟ ففي الوقت الذي تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، يبدو أن الفجوة تتسع بين ما نمتلكه من أدوات، وما نملكه من قدرة على توجيهها، لم يعد التحدي هو الوصول إلى التكنولوجيا، بل حسن استخدامها وضبط مسارها، وتحديد الغايات التي ينبغي أن تخدمها، صار التحدي الحقيقي يتمثل في منع التكنولوجيا من أن تتحول من أداة في يد الإنسان إلى قوة تعيد تشكيل ذاته دون وعي منه، من هنا نتلمس ما يمكن أن نطلق عليه ثورة صناعية خامسة، لا تقوم على اختراع جديد بقدر ما تقوم على إعادة التوازن، فبدلاً من أن تكون الكفاءة التقنية هي الهدف الوحيد، يصبح الإنسان بقيمه ووعيه في قلب المعادلة، من الذكاء الاصطناعي إلى المدن الذكية، ومن الاقتصاد الرقمي إلى الهندسة الحيوية، تتسع إمكاناتنا، فهل تتسع معها مسؤوليتنا؟ أم أننا نُسرع في إنتاج أدوات لا نملك بعد القدرة الكافية على ضبط آثارها؟
في هذا السياق، لم يعد كافياً الحديث عن الاستدامة البيئية وحدها على أهميتها، بل أصبح من الضروري الحديث عن استدامة إنسانية أشمل، استدامة تحافظ على التوازن بين ما ننتجه من تكنولوجيا، وما نغرسه من قيم، فالتكنولوجيا في جوهرها أداة محايدة، لكن طريقة استخدامها هي التي تحدد أثرها، سلباً أو إيجاباً، ومن دون هذا التوازن، قد يتحول التقدم نفسه إلى مصدر لاختلالات جديدة، وهنا نعود إلى مسألة التعليم، فإذا كانت البعثة الأولى قد استهدفت نقل التكنولوجيا لخدمة مشروع الدولة، فإن التحدي اليوم هو إعادة تعريف دور التعليم ذاته، لم يعد الهدف هو تخريج أفراد يمتلكون المعرفة، بل إعداد إنسان قادر على الفهم والتطبيق واتخاذ القرار في عالم شديد التعقيد وسريع التطور، إعداد إنسان يكون هو محور الاستدامة بوعي لدوره تجاه البيئة والتكنولوجيا، ولن يتأتى ذلك إلا بغرس مفهوم الاستدامة الإنسانية خلال رحلة تربية المواطن.
التربية بمعناها العميق، يجب أن تتضافر مع التعليم، فالقيم لا تُلقّن بل تُبنى عبر الممارسة والتجربة والخطأ والتصحيح، عبر مؤسسات تعليمية تدرك دورها الحقيقي في تشكيل الوعي، ومن ثم فإن مراجعة دور المدرسة من جهة وأهداف الابتعاث العلمي وربطها باحتياجات المجتمع من جهة أخرى ضرورة مهما كان تخصصها، فالعبرة ليست بالتخصص، بل بقدرة هذا التخصص على الإسهام في مشروع وطني متكامل واضح المعالم، فدراسة التاريخ مثلاً على أهميتها، لا ينبغي أن تكون مجرد سرد للماضي، بل أداة لاستيعاب المواقف وفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وسيلة لاستخلاص دروس قابلة للتطبيق، لا مجرد حكايات تُروى، وبعد مائتي عام على أول بعثة تعليمية، ربما لا نحتاج إلى تكرار التجربة بقدر ما نحتاج إلى استيعاب دروسها، فالتقدم لا يُستورد بل يُبنى، واليوم ونحن نقف على أعتاب تحولات غير مسبوقة، يصبح التحدي الحقيقي ليس في اللحاق بالعالم فحسب، بل في تحديد موقعنا فيه، وصياغة علاقتنا بالعلم والتكنولوجيا على نحو يضع الإنسان في القلب منها لا على هامشها.