يعيش الشرق الأوسط على وقع تحولات جيوسياسية عاصفة وتغيرات جذرية في موازين القوى، خاصةً بعد التطورات الأخيرة المرتبطة بالضغوط الشديدة التي تواجهها طهران وتراجع دورها الإقليمي.
ومع هذه المتغيرات الجارية في سوريا ولبنان والعراق، يبرز سؤال استراتيجي كبير: هل أصبحت تركيا أحد أكبر المستفيدين من هذه المعادلة الجديدة؟ وهل بدأت أنقرة بالفعل في توسيع نفوذها وملء الفراغ الإيراني مستفيدة من انكفاء أذرع طهران؟
صعود التنافس التركي الإيراني ودخول الساحة اللبنانية
أكد المحلل السياسي التركي، فراس رضوان أوغلو، أن التنافس على النفوذ بين تركيا وإيران في سوريا وفي لبنان وفي العراق، إلى جانب التحالفات في دول الخليج، هو نوع من التنافس الراهن والملح، موضحاً أن تركيا هي دولة توسعية نوعاً ما، وتحاول دائماً أن تتوسع ولكن بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة الإيرانية، حيث تعتمد أنقرة في صلب تحركها على طريقة النفوذ السياسي والاستراتيجي.
وأوضح أوغلو لـ”القصة”، أن التنافس التركي الإيراني في سوريا والعراق موجود منذ عقود طويلة، وكذلك في لبنان، ولكنه بدأ يتصاعد في المرحلة الأخيرة بعد الدور التركي الذي بدا ظاهراً بشكل أكبر حتى في سوريا الآن والعراق، كما بدأ النفوذ التركي يدخل إلى لبنان بشكل واضح، وهو ما لم يكن موجوداً قبل لحظات.
وفي تفكيكه للمواقف الدولية من هذا الصعود التركي، أشار المحلل التركي إلى أن روسيا ليس لها أي مشكلة في وجود النفوذ التركي في المنطقة طالما أن هذا الوجود يخدم مصالحها الأمنية بشكل أو بآخر، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن تركيا لديها شبه خلافات على المستوى الاستراتيجي مع أمريكا، وتحديداً مع التحالفات الأمريكية في تسليح بعض الدول.
أما عن الجانب الإسرائيلي، فبين رضوان أوغلو أن هناك دوراً لإسرائيل في هذه المعادلة، إذ تصبح المسألة الآن هي إدارة النفوذ وإدارة الصراع بين إسرائيل والمنطقة وتركيا.
وحول طبيعة الصراع الاستراتيجي ومساراته يقول أوغلو، أنه بفضل تشارك المصالح، حيث دخلت إسرائيل في مسائل صراع استراتيجي، وهي تشارك في المصالح حتى مع بعض الدول العربية، كما أن لدينا المسار العسكري والسياسي، تبدأ الآن سياسات جديدة في الصراع الاستراتيجي، تسير في مسار عسكري نوعاً ما بين الدول العربية وإسرائيل وحتى تركيا، والمكاسب العربية إن المكاسب التي كسبها العرب في هذه المرحلة هي مكاسب واضحة وملموسة.
انتهاء “المنحى الشيعي” وسيادة البضائع التركية
وعن الأرباح والخسائر التركية من التطورات الأخيرة، أوضح رضوان أوغلو أن تركيا لم تكسب مكاسب اقتصادية في الكيان، ولكن في المقابل هناك تهديدات أمنية لتركيا قد انتهت نوعاً ما والمقصود هنا بالنسبة لها أنه لم يعد هناك احتمال لتشكل كيان موالٍ لإيران أو منحى شيعي، وهذا ينهي مشكلة كبيرة لتركيا في سوريا وفي العراق، خصوصاً بعد أن أصبحت إيران مطلوبة لبعض الرؤى الأمريكية الإسرائيلية.
وشدد المحلل التركي على وجود علاقة طردية بين انكفاء طهران وصعود أنقرة حيث يتوجه الدور التركي للصعود كلما تراجع الدور الإيراني في الشرق الأوسط من الناحية الاستراتيجية ومن الناحية الأمنية ومن الناحية الاقتصادية وبشكل عملي، نرى أن البضائع التركية هي التي تسود وتتفوق حالياً على البضائع الإيرانية في أسواق المنطقة.
ورغم التراجع الإيراني، حذر أوغلو من أن طهران لن تستسلم بسهولة، قائلاً: “إن هناك بعض النفوذ الإيراني لبعض المتنفذين كما هو الحال في العراق مثلاً حيث وجد هناك صوت لإيران بمعنى أنها يمكن أن تنشئ قوة سياسية تكافح الصعود التركي، أو تحارب العلاقات الاقتصادية التركية والمشاريع الاقتصادية التركية العربية، بهدف أساسي وهو عدم استفادة تركيا من هذه المناخات”.
واختتم رضوان أوغلو حديثه لـ “القصة” باستدعاء الشواهد التاريخية من الساحة السورية، مؤكداً أن هذا التكتيك الإيراني المضاد عانت منه أنقرة سابقاً، حيث كانت تركيا تتلقى كل العروض المالية الكبيرة في أن تكون جزءًا رئيسياً من نقل الطاقة والنفط من السعودية والإمارات وقطر عبر أراضيها إلى تركيا والعالم، ولكن تلك المشاريع الكبرى عطلت وأجهضت في سوريا بسبب ما يظن أنها المصالح الإيرانية المرتبطة بها والتي كانت تقف عائقا أمام التمدد الاقتصادي بأنقرة.