تصريحات كثيرة يسمعها المواطن يوميا، تمس حياته ومعيشته وبيته وربما كرامته أيضا، بعض تلك التصريحات يقابلها المواطن البسيط بالأمل، وبعضها بالألم، والبعض الآخر بالاندهاش، أما الأصعب فتلك التصريحات التي تستفز المواطن، سواء اطلقنا عليه البسيط أو محدود الدخل، وتجعله غير قادر على تقبلها، من بينها ما قاله النائب الدكتور أشرف الشيحي، رئيس لجنة التعليم بمجلس النواب، عن أن الدولة تضع المواطن في مقدمة أولوياتها، ما طرح تساؤلا عن مدى اهتمام الحكومة بالمواطن المصري البسيط، وهل بالفعل تضعه على رأس اهتماماتها أم لا.
أحمد بهاء شعبان: الحديث عن المواطن البسيط يتطلب تعريفه بدقة
قال رئيس الحزب الاشتراكي المصري، أحمد بهاء شعبان، إن الحديث عن المواطن البسيط يتطلب أولًا تعريفًا دقيقًا لهذا المفهوم، معتبرًا أن عدم تحديده يؤدي إلى مغالطة في فهم أبعاد الزعم المتعلق باهتمام الدولة به.
وأضاف شعبان، في تصريحاته لـ”القصة”، أن المقصود بالمواطن البسيط هو المواطن الفقير، أي الذي لا يمتلك شركات أو أموالًا في البنوك أو أراضي أو مؤسسات مالية، ويعيش على دخل محدود لتلبية احتياجاته الأساسية، واصفًا إياه بأنه “إنسان عايش على باب الله”.
وأوضح شعبان أن هذا التعريف يمثل الأغلبية العظمى في مصر، بما يشمل قطاعات من الطبقة الوسطى التي تراجعت أوضاعها، والطبقات الكادحة التي تعمل لفترات طويلة لتأمين الحد الأدنى من المعيشة، والطبقات الفقيرة وفق التعريفات الدولية.
نسبة الفقر في مصر طالت 60% من سكانها
وأشار رئيس الحزب الاشتراكي المصري إلى أن تقديرات سابقة كانت تشير إلى أن نسبة الفقر في مصر بلغت نحو ثلث السكان، لكنه يرى أنها قد تكون اقتربت من 60% في الوقت الراهن، في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، واعتبر أن غالبية المواطنين الشرفاء من هذه الفئات، حتى من يعملون في وظائف حكومية منذ سنوات، أصبحت دخولهم غير كافية لتغطية احتياجات المعيشة من غذاء وعلاج وتعليم، خصوصا في ظل التضخم وارتفاع الأسعار وغياب السيطرة على أسعار السلع الأساسية.
ولفت شعبان إلى أنه لا يتفق مع ما يقال عن أن الدولة تضع هذه الفئات في صدارة اهتمامها، مشيرًا إلى أن السياسات الاقتصادية لا تتعامل بجدية مع مشكلاتهم، في ظل تحديات اقتصادية متراكمة مرتبطة بأزمات إقليمية ودولية.
وانتقد شعبان تركيز الدولة على دعم رجال الأعمال والأغنياء، مستشهدًا بإنشاء مدن جديدة ترتفع فيها أسعار الوحدات السكنية إلى ما بين 15 و40 مليون جنيه للوحدة، مؤكدًا أن هذه الوحدات تباع بالفعل رغم ارتفاع أسعارها، وهو ما اعتبره مؤشرًا على فجوة اجتماعية متزايدة.
البسطاء يشعرون بتجاهل الدولة لهم
وقال: “إن المجتمع المصري بات منقسمًا إلى مصر وإيجيبت”، موضحًا أن إيجيبت تمثل طبقة محدودة من الأثرياء ورجال الأعمال، بينما تضم مصر الأغلبية من الكادحين والمواطنين محدودي الدخل، واعتبر أن هذه الفئة الأخيرة لا تشعر بأنها محل اهتمام أو رعاية من الدولة، بل إن لديها إحساسًا بأن الدولة تتجاهلها أو لا تمنحها الأولوية.
وأشار إلى أن أسعار السلع الأساسية، خاصة الغذائية، تشهد ارتفاعًا يوميًا دون تدخل فعال لضبط الأسواق، مقارنة ببعض الدول الرأسمالية التي تضع ضوابط للأسعار لحماية محدودي الدخل.
وتناول مثالًا بارتفاع أسعار الوجبات الأساسية مثل الفول والطعمية، موضحًا أن تكلفة الغذاء اليومي للأسرة أصبحت مرتفعة بشكل كبير، ما يجعل تغطية احتياجات أساسية مثل التعليم والعلاج والملبس أمرًا بالغ الصعوبة على الأسر محدودة الدخل.
كما أشار إلى الفجوة بين مستويات الدخول الحالية وما كانت عليه في فترات سابقة، مستشهدًا بتجربته بعد التخرج في عام 1974، حين كان الراتب يكفي لتأسيس حياة مستقرة نسبيًا مقارنة بالوضع الحالي، لافتًا إلى التراجع الكبير في القوة الشرائية للجنيه عبر العقود.
الوضع الاقتصادي يعكس هيمنة الرأسمالية
واعتبر أن اكتشافات الغاز أو الموارد الطبيعية لا ينعكس أثرها بشكل مباشر على حياة المواطنين، سواء في أسعار الوقود أو الكهرباء، مؤكدًا أن ما يرتفع في الأسعار لا يعود إلى الانخفاض مرة أخرى، مضيفا أن الوضع الاقتصادي الحالي يعكس هيمنة طبقة رأسمالية تركز على مصالحها، دون إعطاء أولوية كافية للطبقات الفقيرة، مشيرًا إلى أن استمرار هذا الوضع مرتبط بغياب الديمقراطية وآليات المساءلة الفعالة.
وأكد رئيس الحزب الاشتراكي المصري على أهمية الديمقراطية باعتبارها أداة لكشف الفساد وتصحيح الأخطاء، حتى وإن لم تكن النظام المثالي، إلا أنها أفضل البدائل المتاحة لضمان مساءلة السلطة.
فريد زهران: من المقصود بمحدود الدخل؟
ووافقه الرأي فريد زهران، رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، حيث قال إن الحديث عن وضع المواطن البسيط وإنه على رأس أولويات الحكومة يظل مرهونًا بتحديد واضح لمن هو هذا المواطن، متسائلًا عما إذا كان المقصود هو المواطن محدود الدخل في محافظات الصعيد مثل سوهاج وقنا وأسيوط، أو قاطني المناطق الشعبية كمنشية ناصر والموسكي والخليفة، أم يشمل أيضًا سكان المناطق الراقية والتجمعات السكنية الجديدة والكومباوندات.
وأضاف زهران، في تصريحات خاصة، أن هذا التباين في تعريف المواطن ينعكس بشكل مباشر على تقييم السياسات العامة، مشددًا على أن الفيصل الحقيقي يتمثل في كيفية توزيع المخصصات المالية على الخدمات والمرافق في مختلف المناطق الجغرافية.
ولفت رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي إلى أنه حال توافر البيانات قد نكتشف حصول بعض المناطق الراقية على مخصصات تفوق بأضعاف ما تحصل عليه مناطق أكثر احتياجًا، خاصة في الصعيد والأحياء الشعبية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى عدالة توزيع الموارد.
أولويات الحكومة تظهر في الإنفاق
وأضاف زهران أن انحيازات الحكومة تظهر بوضوح في أولويات الإنفاق، منتقدًا توجيه استثمارات ضخمة لمشروعات كبرى ذات تكلفة عالية، قد لا يستفيد منها سوى عدد محدود من المواطنين، في حين أن قطاعات خدمية أساسية مثل السكك الحديدية تخدم ملايين المواطنين، وكان من الممكن توجيه استثمارات مماثلة إليها لتحقيق عائد اجتماعي أوسع.
وفيما يتعلق ببرامج الدعم، طرح زهران تساؤلًا حول استمرار الاعتماد عليها، معتبرًا أن الحل الجذري لا يكمن في التوسع في الدعم، بل في تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية تخلق فرص عمل كافية وتوفر دخلًا مناسبًا للمواطن، بما يتيح له العيش بشكل كريم دون الحاجة إلى دعم دائم، وأكد أن الدعم يجب أن يكون إجراءً مؤقتًا ومرتبطًا بظروف استثنائية، وليس نمطًا مستمرًا.
هناك إشكالية في العلاقة بين المواطن والدعم
وأشار رئيس “المصري الديمقراطي” إلى أن إشكالية العلاقة بين المواطن والدعم ترتبط أيضًا بطريقة إدارة هذا الملف، لافتًا إلى أن الاعتماد المستمر على الدعم دون تمكين اقتصادي قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على المواطنين بدلًا من تحسين أوضاعهم.
وفيما يخص وصول صوت المواطن، أكد زهران أن هذا الصوت يصل بالفعل إلى صانع القرار عبر قنوات متعددة، من بينها وسائل التواصل الاجتماعي والتقارير الرسمية وبعض النواب داخل البرلمان، إلا أن الأزمة لا تتعلق بوصول الصوت، بل بمدى الاستجابة له، ومدى تأثيره الفعلي في السياسات العامة، حيث اعتبر انه ليس هناك استجابة فعلية.