يشير الحديث عن حملة «يلا ساحل» وتطوير الساحل الشمالي إلى صراع واقعي بين الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، فبينما يرى الخبراء أن هذه المشروعات ضرورة قصوى لجذب الاستثمارات، وإنعاش الاقتصاد، وتسويق مصر سياحيا على المستوى العالمي، يحذر آخرون من انعكاساتها السلبية، مثل ارتفاع الأسعار، وخصخصة الشواطئ، وتعميق الفجوة الطبقية، والتي تحول المصيف من مساحة للراحة العائلية إلى أداة لاستعراض الثراء وضغط الوجاهة الاجتماعية.
الترويج المتوازن وتنوع المنتج السياحي
تفتح حملة «يلا ساحل» نقاشا مشروعا حول ضرورة أن تعكس الحملات الرسمية تنوع المنتج السياحي المصري، بحيث لا يكون الترويج الدولي على حساب إبراز السياحة الداخلية، أو إعطاء انطباع بأن المصيف حكر على المنتجعات الفاخرة، مما يتطلب حملة تسويقية متوازنة تبرز مصر بكل مستوياتها، من المنتجعات العالمية إلى الشواطئ الشعبية، لتعزيز صورتها كوجهة تستقبل جميع السائحين، وتوفر خيارات تناسب مختلف الفئات، هكذا بدأ الأستاذ باسم حلقة، رئيس نقابة العاملين بشركات السياحة، واستشاري الإعلام السياحي، حديثه لـ«القصة».
حق المواطن في الاستمتاع بالشواطئ العامة
كما أشار حلقة إلى أن حق المواطن في الاستمتاع بالشواطئ العامة، في ظل دعم الدولة والمستثمرين لمبادرات السياحة الفاخرة مثل «يلا ساحل» لجذب العملة الصعبة، يقتضي التأكيد على حق المواطن المصري، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل، في الاستمتاع بالشواطئ العامة، وضمان عدم تحول الساحل الشمالي إلى وجهة حصرية لفئة معينة على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين في الترفيه.
آليات الرقابة وضبط الأسعار
كما أكد استشاري الإعلام السياحي أهمية تفعيل الآليات الرقابية التي تطبقها الجهات المختصة على أسعار دخول الشواطئ والمنشآت السياحية والخدمات الترفيهية بالساحل الشمالي، مع وجود ضوابط أو سقوف سعرية صارمة تمنع المغالاة، وتحافظ على التوازن المنشود بين حرية الاستثمار وحماية حقوق المستهلك.
ويوضح أن المبادرة تستهدف تحويل الساحل الشمالي إلى وجهة سياحية مستدامة تعمل على مدار العام، وليس خلال موسم الصيف فقط، وهو ما يستوجب وجود خطة تنفيذية واضحة من وزارة السياحة والدولة تعتمد على مشروعات، وفعاليات، وبنية تحتية قادرة على جذب الزوار خلال فصلي الخريف والشتاء.
ويختتم حلقة حديثه قائلا إنه لكي ننجح في تقييم المبادرة وقياس مردودها بدقة، يجب توفير مؤشرات أداء معلنة للرأي العام، تشمل معدلات الإشغال، ومتوسط إنفاق السائح، وعدد الليالي السياحية، إضافة إلى حجم الاستثمارات، وفرص العمل الجديدة التي نجحت المبادرة في جذبها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
مميزات الساحل الشمالي المصري.. أولها الموقع الاستراتيجي
وفي هذا الإطار، يشير الدكتور أحمد خطاب، الخبير بالقطاع العقاري، إلى أن الساحل الشمالي يتميز بكونه فريدا وغير متكرر في أي منطقة أخرى، حيث يقع في منطقة تتوسطها مدن جديدة، مثل مدينة العلمين الجديدة.
البنية التحتية والمرافق
كما يوضح خطاب، في حديثه لـ«القصة»، أن المنطقة يتوسطها مطار برج العرب الدولي، بالإضافة إلى وجود مرافق وخدمات بمدينة مارينا، مؤكدا أن الجو الجاف طوال فصل الصيف، وتحديدا في شهري يوليو وأغسطس، بالإضافة إلى هدوء الأمواج، وصفاء المياه، ونقاء الرمال البيضاء، يجعل منه مصيفا متميزا.
جذب الاستثمار والسياحة
يبين الخبير بالقطاع العقاري أن هذه المقومات جعلت من الساحل الشمالي مصيفا متميزا لجذب المستثمرين العرب والأجانب، فضلا عن جذب الأسر المصرية بمختلف فئاتها وطبقاتها، كل حسب قدراته. وأضاف أن المصيف يسهم في تحريك الاقتصاد المصري، ودعم وتنشيط السياحة وصناعة السياحة في مصر بشكل كبير، وأن مشروعات مثل «يلا ساحل» وغيرها تهدف إلى تحقيق انتشار أوسع للساحل الشمالي في العالم العربي.
تعميق الفجوة والفرز الطبقي
وفي هذا السياق، يشير الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ«القصة»، إلى أن هذه الظاهرة تجسد، من الجانب الاجتماعي، شكلا واضحا من أشكال الفرز الطبقي وخصخصة المساحات الساحلية التي كانت تاريخيا متاحة لشرائح واسعة من المجتمع.
ويوضح الشافعي أن انتشار المجمعات السكنية المغلقة بأسعارها المرتفعة، ومعايير الاستبعاد الاجتماعي، أدى إلى تقسيم الساحل جغرافيا واقتصاديا.
كما يتابع الخبير الاقتصادي موضحا كيف تحولت العطلة الصيفية من مفهومها التقليدي للاستجمام العائلي إلى مساحة لاستعراض المكانة الاجتماعية، مما عزز شعور الاغتراب لدى الطبقة المتوسطة المستبعدة تدريجيا من هذه المساحات.
التوازن الاقتصادي والاجتماعي
يرى الشافعي، في تقييمه الشامل، أن ظاهرة «يلا ساحل» تنجح بامتياز كأداة تسويق استثماري وسياحي على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي الوقت ذاته، يحذر من أنها تكرس، على المستوى المحلي، نمطا من العزل الطبقي الذي يعيد رسم خريطة المصايف المصرية وفق القدرة الشرائية المتباينة، مما يستدعي، من وجهة نظره، نظرة متوازنة تجمع بين التنمية الاقتصادية ومراعاة البعد الاجتماعي.
علم الاجتماع يقرأ الظاهرة
ومن رؤية تحليلية لعلم النفس والاجتماع، قال سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن حملة «يلا ساحل» تمثل مزيجا بين الترويج السياحي والاستثماري المنظم، وبين واقع يعكس التفاوت الطبقي الحاد في مصر.
وأوضح أن المبادرة، من خلال دمج كبار المطورين العقاريين والترويج للفعاليات الضخمة، تسعى إلى جذب الاستثمارات وإطالة الموسم السياحي، إلا أن الأسعار المرتفعة للفيلات وحفلات النجوم تعمق الفجوة بين الأثرياء وباقي شرائح المجتمع، لتصبح المبادرة مرآة لنموذج تنموي يعزز الاستفادة للشريحة العليا أولا.
اكتئاب الشاشات.. انعكاسات الضخ الإعلامي على الصحة النفسية
كما يوضح صادق، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن الضخ الإعلامي المكثف لمظاهر الرفاهية عبر منصات مثل تيك توك وإنستجرام يترك آثارا سلبية عميقة على الصحة النفسية للمواطنين، لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية.
فالتعرض المستمر للصور المثالية وحفلات الساحل يغذي المقارنة الاجتماعية الصاعدة ومشاعر الحرمان النسبي، مما يؤدي إلى زيادة القلق، وخوف تفويت الفرصة (FOMO)، وانخفاض الرضا عن الحياة، وتحول الأزمات المادية إلى إحباط نفسي.
«الساحل الشرير».. ضغوط الوجاهة الاجتماعية والإنفاق فوق الطاقة
كما يشير أستاذ علم الاجتماع السياسي إلى أن تريندات مثل «الساحل الشرير» و«الساحل الطيب» تحولت من مجرد نكات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى معايير اجتماعية يومية تفرض أعباء مالية ونفسية على العائلات.
ونتيجة لرغبة الأفراد في المواكبة والظهور، تلجأ بعض الأسر إلى الإنفاق المبالغ فيه أو الاستدانة لمجاراة هذا الاستهلاك التفاخري، متأثرة بضغط الأقران، والرغبة في إثبات المكانة والنجاح أمام المجتمع.
الفجوة الترفيهية وتعميق الاغتراب والحقد الطبقي
ويؤكد أن الفجوة الحادة في مستوى الترفيه بين فئات المجتمع تؤجج مشاعر الاغتراب الداخلي والاستياء الطبقي، فعندما ينعكس هذا الاستقطاب في الشواطئ المغلقة والخدمات الحصرية التي تعرض باستمرار على منصات التواصل، يشعر المواطن العادي بغربة حقيقية داخل وطنه، وتتولد لديه مشاعر الإحباط والغضب نتيجة غياب العدالة في توزيع فرص الاستمتاع بالموارد العامة.
ويختتم صادق حديثه بالتأكيد على أن التحول التاريخي للمصيف في الوعي الجمعي المصري نتج عن انتقاله تدريجيا من كونه مساحة بسيطة للراحة النفسية والعائلية إلى ساحة لاستعراض المكانة والوجاهة. ومع صعود ثقافة الاستهلاك الفاخر، وظهور المنتجعات المغلقة المدعومة بوسائل التواصل الاجتماعي، بات السؤال الأساسي يدور حول مستوى المكان وتكلفته، مما جعله أداة للفرز الطبقي تعكس التحولات الاقتصادية والثقافية في البلاد.