منذ أيام كانت ذكرى وفاة المبدع الاستثنائي خالد صالح، وبالرغم من مرور اثني عشر عامًا على رحيله، لكنه يظل حاضرًا بفنه وشخصيته في وجدان الجمهور.
وإذا أردنا فهم هذه الطاقة الإبداعية، أرى أنه علينا مشاهدة حلقتين من برامج تلفزيونية تحدث فيهما.
إحداهما عندما سُئل: هل أصدقاؤك يحبونك؟ فكان رده: «أنا بحبهم، أتمنى يكونوا بيحبوني زي ما بحبهم». والحلقة الأخرى مع الإعلامية منى الشاذلي، عندما صورت معه جزءًا من الحلقة بمسرح الهناجر. عندما ترى وقوفه على خشبة المسرح وحديثه عنها، ستجده حديثًا يمتاز بالشاعرية، من قلب صادق محب للفن والمسرح، بل عاشق له من وجهة نظري.
هذا القلب الصادق الذي لم يخطئ طريقه أبدًا هو مفتاح الإبداع والتحفيز الذي حققه خالد صالح. فعندما بدأ مشواره في التمثيل، فقال شقيقه: «إما العمل في المصنع أو التمثيل»، فاختار التمثيل. وكان في البدايات ولم يحقق شهرة بعد، ولكنه اختار ما ارتاح إليه حدسه وقلبه.
وهذا هو المفتاح لفهم شخصية وإبداع خالد صالح الاستثنائي؛ فهذه المشاعر الصادقة التي تستطيع أن تشعر بكل ما حولها، لذلك عندما قدم شخصيات مركبة، مثل شخصية حاتم في فيلم «هي فوضى»، استطاع أن يجسد ظلم الشخصية وتسلطها، ولكن أيضًا التعبير عن البعد الإنساني المتعلق بما تعرضت له الشخصية من تعذيب في الصغر.
ومشهد النهاية عندما ينهي حياته، فنتعاطف معه في تلك اللحظة لفهم أسباب تسلطه وتحوله من ضحية إلى جلاد، لكن لا نسامحه على ظلمه. هنا نرى عبقرية خالد صالح، وهذا القلب صاحب المشاعر الصادقة الذي استطاع أن يترجم تعقيدات الشخصية المكتوبة على الورق.
فهذا يدل على شخص يستطيع قراءة مشاعر من يراهم ومن حوله، ويجسدها بإحساس ووعي إنساني، وليس مجرد تجسيد خارجي.
تجسيد الشخصيات
بالإضافة إلى ما يُكتب على الورق، هناك ما يراه ويعايشه الممثل في الواقع. فنجد هنا هذا الفنان الذي يمتلك بصيرة ومشاعر صادقة. أيضًا نجد ذلك في دور فرج خنزيرة في مسلسل «أحلام عادية» مع يسرا، وهي شخصية مركبة بمشاعر معقدة، وجسدها بإحساس جعلنا نشعر بالشخصية.
وببساطة، هذا هو الفن الحقيقي: أن نحلل الشخصيات إنسانيًا، لا نحكم عليها ونحاكمها.
لذلك أبدع وتفوق خالد صالح، وترك بصمة لا تُنسى على الشاشة، حتى لو ظهر في مشهد واحد.
حتى مشاركته في المجال العام، وتحديدًا في الحراك السياسي الذي حدث في 25 يناير و30 يونيو، لن تجده حاول أن يستغل مشاركته في الحراك لتسويق نفسه أو ينظر على الآخرين، لكنه شارك بقوة في الميادين ومع الناس الذين كان جزءًا منهم، وكان معبرًا عن أحلامهم وآلامهم أيضًا أمام الكاميرا وفي الحياة.
ومن هنا نعود إلى ما بدأت به الحديث، وهو القلب والمشاعر الصادقة التي تفعل ما تقتنع به وما تراه دون حسابات أو مصالح ضيقة.
مشوار خالد صالح لن نجد فيه إلا الإبداع الفني والحب والتسامح. لن تجد صراعات فنية على أجر أو إيرادات. رغم الموهبة الكبيرة، لم يرَ نفسه الأفضل، لذلك أحبه الجميع وأصبح خالدًا في القلوب والوجدان.
رحل خالد صالح، لكن ظل فنه وشخصياته حاضرة؛ حاتم وكمال الفولي وغيرها من الأدوار التي لا تُنسى. وظلت شخصيته وحبه للغير والحياة، وسيظل أثرهما.