أكد الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي، أن ما أقدمت عليه إثيوبيا مساء الخميس يُمثّل تصعيداً دبلوماسياً غير مسبوق بإعلان الدبلوماسي المصري أحمد محرم أحمد سليمان شخصاً غير مرغوب فيه ومطالبته بمغادرة أراضيها خلال 48 ساعة في اليوم ذاته الذي أغلقت فيه سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين.
وأوضح مهران، في تصريحات صحفية، أن إثيوبيا أسقطت في يوم واحد القناع عن نهجها الحقيقي، وهو نهج العدوان الإقليمي الممنهج لا ردود الفعل الدفاعية.
وأشار مهران إلى أن القانون الدولي يكفل في المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 الحق لكل دولة في إعلان أي دبلوماسي أجنبي شخصاً غير مرغوب فيه دون إبداء الأسباب، وهو ما فعلته إثيوبيا حرفياً في المذكرة الدبلوماسية المؤرخة أمس، التي اكتفت بعبارة “وفقاً لاتفاقية فيينا” دون أي تفسير، لكن هذا الحق المشروع شكلاً يفقد مشروعيته حين يُوظَّف أداةً للتصعيد العدواني ضد دولة لا تتعامل إلا وفق أطر القانون الدولي المائي والدبلوماسي الصحيح.
وأضاف مهران أن اللافت في المذكرة الإثيوبية بشأن الدبلوماسي المصري أنها خالية من أي سبب، على النقيض من المذكرة المتعلقة بالدبلوماسيين الإريتريين التي وصفت تصرفاتهم بالأعمال العدائية والتصعيدية المباشرة وغير المباشرة، وهو تمييز كاشف يُثبت أن القرار المتعلق بمصر سياسي انتقامي لا دبلوماسي قانوني، وأن الرسالة الحقيقية لأديس أبابا للقاهرة هي نعرف أنكم في الصورة، في إشارة لدعم مصر لإريتريا والصومال في مواجهة مخططات الهيمنة الإثيوبية.
ورأى أستاذ القانون الدولي العام أن النمط العدواني الإثيوبي الذي تجلّى في طرد دبلوماسي مصري وإغلاق السفارة في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين في يوم واحد لا يمكن عزله عن السياق الأشمل لسياسة أديس أبابا الإقليمية التي تجمع بين التعنت في ملف سد النهضة والإعلان عن سدود جديدة بلا إخطار مسبق، وتوترات متصاعدة مع السودان واتفاق صوماليلاند الذي انتهك سيادة الصومال طمعاً في منفذ بحري على البحر الأحمر.
وأشار مهران إلى أن دولة في حرب دبلوماسية مع كل جيرانها في آن واحد لا تستطيع أن تدّعي مصداقية في خطابها عن الانتفاع المنصف من مياه النيل. لأن من يتعامل مع محيطه الإقليمي بهذه العدوانية الشاملة لا يسعى للتنمية، بل يسعى للهيمنة. وهذا بالضبط ما يجعل الموقف المصري الرافض للسدود الأحادية والمطالب بالاتفاق الملزم موقفاً قانونياً راسخاً لا مجرد خلاف مائي عابر.
وأضاف مهران أن إثيوبيا التي تُصعّد على جيرانها من كل اتجاه تعيش في الوقت ذاته أزمة داخلية حادة، تشمل تجدد المواجهات في تيغراي وصراعات أمهرة وأوروميا وأفار في آنٍ واحد. مما يكشف أن هذا التصعيد الخارجي المتعدد الجبهات ليس نابعاً من موقف قوة، بل هو محاولة لتصدير الأزمة الداخلية وصرف الأنظار عن الاضطرابات المتصاعدة في أكثر من إقليم إثيوبي. وهو نهج تاريخي معروف تلجأ إليه الحكومات حين تضيق بها الخيارات في الداخل، فتُشعل التوترات في الخارج، والقانون الدولي لا يعترف بهذا المبرر ولا يمنحه أي شرعية.
وشدد مهران بالتأكيد على أن مصر تملك الحق الكامل والمشروع في المعاملة بالمثل وفق المادة ذاتها من اتفاقية فيينا، وأنه على القاهرة أن تُصدر رداً دبلوماسياً حازماً يليق بمكانتها ويُسجّل موقفها القانوني الرافض لهذا التصعيد المتعدد الجبهات، وأن إثيوبيا دولة تتحدث عن الانتفاع المنصف بمياه النيل لكنها تتعامل مع جيرانها بمنطق العداء المنفرد، ولتنفيذ أجندات خارجية، وهذا التناقض الصارخ يُسقط الغطاء الدولي الذي حرصت أديس أبابا على ارتدائه.