تمر الأشهر وتتراكم الأيام، ولا تزال المدافع في غزة تغرد لغة الدمار وسط هذا المشهد المعقد، لم يعد السؤال الشعبي “متى تنتهي الحرب؟”، بل بات السؤال الأكثر إلحاحاً وكواليسية: “من المستفيد من بقائها مشتعلة؟”.
خلف الدخان وصيحات الضحايا، المعركة تجاوزت جغرافيتها العسكرية لتتحول إلى شبكة مصالح سياسية واقتصادية معقدة، تتقاطع فيها طموحات البقاء الشخصي بأرباح كارتيلات السلاح.
الحرب كطوق نجاة سياسي
يرى المحلل السياسي أيمن الرقب أن اليمين الإسرائيلي المتطرف على رأسه حزب “الليكود” بقيادة بنيامين نتنياهو، بالتحالف مع أحزاب الصهيونية الدينية والقوة اليهودية يجد في مناخ الحرب بيئة مثالية لإنعاش خطابه المتشدد الخوف والأمن هما العملة الأكثر رواجاً الآن، واستمرار الصراع يمنح هذه القوى شرعية البقاء في سدة الحكم وصياغة مستقبل البلاد وفق رؤيتها الإيديولوجية.
ويشير الرقب لـ”القصة” أن نتنياهو يبدو شخصياً وكأنه يخوض معركة “حياة أو موت” سياسية فقبل السابع من أكتوبر، كانت إسرائيل تغلي باحتجاجات عارمة ضد التعديلات القضائية التي هددت أركان حكمه. جاءت الحرب لتخلط الأوراق وتمنحه فرصة ذهبية لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، وتأجيل الحسابات السياسية المؤلمة.
كما تتفق الخبيرة في الشأن الإسرائيلي، إنجي بدوي، مع هذا الطرح، واصفة الحرب بأنها “الجائزة الكبرى” لنتنياهو، فهي المظلة التي تحميه من شبح الانتخابات المبكرة التي قد تنهي مسيرته، وهي الجدار الذي يؤخر مثوله أمام القضاء في قضايا الفساد التي تلاحقه، وتضيف بدوي “للقصة” أن الحرب، رغم أنها منحت المعارضة مساحة لتقديم أنفسهم كبدائل، إلا أنها أعادت تشكيل الخارطة السياسية بالكامل.
ويلفت الرقب إلى نقطة جوهرية وهي المنافسة الحقيقية في إسرائيل اليوم لم تعد بين يمين ويسار، بل باتت صراع أجنحة داخل معسكر اليمين نفسه، مما يعني أن أي تغيير قادم سيكون مجرد إعادة توزيع لمراكز القوى داخل نفس المربع المتشدد.
شركات السلاح تجني الثمار
بعيداً عن أروقة السياسة، هناك لغة الأرقام يتفق الخبيران على أن قطاع الصناعات العسكرية وتجار السلاح حول العالم هم الرابح الأكبر تاريخياً من الحروب الممتدة. كل رصاصة تُطلق، وكل صاروخ يسقط، يعقبه فوراً أمر توريد جديد بمليارات الدولارات.
و يشير الرقب إلى أن بارونات السلاح العالميين يجدون في استنزاف مخازن الذخيرة فرصة ذهبية لإنعاش الأسواق، بينما تذهب بدوي إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن قوى دولية كبرى تستفيد استراتيجياً واقتصادياً من بقاء الطلب على معداتها العسكرية في ذروته، مما يحرك عجلة مصانعها الدفاعية.
الشطرنج الإقليمي.. من يصطاد في الماء العكر؟
يرى الرقب أن الحروب الطويلة لا تترك رابحاً حقيقياً في المنطقة، بل هي عملية استنزاف متبادل تفرض أعباء أمنية واقتصادية باهظة على الجميع، مما يجعل المكاسب الإقليمية مجرد أوهام مؤقتة.
أما إنجي بدوي، فترى أن هناك قوى إقليمية ودولية تجيد اللعب على حافة الهاوية؛ فالبعض يستغل الأزمة لتعزيز ثقله الدبلوماسي كيطوق نجاة أو كوسيط لا غنى عنه، في حين تستغل أطراف دولية أخرى انشغال العالم بملف الشرق الأوسط لتمرير مصالحها، وحسم صراعاتها الخاصة بعيداً عن صخب وسائل الإعلام وعدسات الكاميرات.