انتفضت جموع الشعب المصري عبر ثورتين متتابعتين، لتزيح غمةً جثمت على أنفاسها على مدى قرابة ثلاثين عامًا، تجمدت فيها المشروعات التنموية، وهبطت الخدمات الصحية إلى أدنى مستوياتها، وتراجع فيها التعليم تراجعًا مزريًا، وهيمن على فضاء المجتمع عصابة من سماسرة المال والسياسة وجماعات التسييس الديني، وبهتت الحالة الثقافية، وتغول الفساد في كل زاوية من مؤسسات الدولة المصرية، وباتت الهوية المصرية على محك التشوه والتغريب، وتربعت الوهابية بعقلها وزيها في كل شبر من أرض الوطن، وأمست ريادة مصر لأشقائها العرب مجرد أنشودة حزينة تجتر ماضيًا مجيدًا هوت عليه كل مطارق الهدم والتجريف.
واندلعت ثورة الثلاثين من يونيو في مشهد مهيب، كشف عن النواة الصلبة للمصريين وجيشهم العظيم، وتجاوبت جماهير الشعب مع دعوة الرئيس السيسي وتفويضه ليتصدى لهذه المؤامرة الدولية شديدة الإحكام على مستقبلنا، وقد نجح بامتياز في أداء المهمة، وخلفه جيش جسور وشعب يأبى إلا أن يستعيد هويته، وتتحقق مطالبه المشروعة في التغيير نحو حياة أفضل من الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
ودفع الشعب ثمنًا غاليًا وباهظًا، وهو يواجه مع جيشه وشرطته جماعات التطرف والإرهاب، ولا شك أن هذه التضحيات لم تذهب هباءً، فقد أثمرت عن انحسار هذه الهجمة الإرهابية المدعومة داخليًا وخارجيًا، وفشل هذا المخطط الخبيث في تحقيق غاياته، ولكن ظلت أشواق المصريين تتطلع إلى تغيير جذري حقيقي في حياتها ومعيشتها، وتخندقت في خنادق الصبر المر انتظارًا لأن تلمس وعود أربع وزارات على أرض الواقع، من شأنها أن ترفع عن كواهلهم نير أعباء ثقيلة لم يعد في استطاعتهم تحملها بحال من الأحوال.
وتحولت حياتهم إلى معاناة ومكابدة وشقاء، فها هي أسعار السلع في الأسواق تلهب ظهورهم، وتقتل البسمة على شفاههم، وتوجع قلوبهم، وهم عاجزون عن تحقيق أدنى مطالب حياتهم من الضروريات. فعلى سبيل التمثيل لا الحصر، كان سعر أنبوبة البوتوجاز عام 2013م مقابل ثمانية جنيهات، فأخذ في الصعود حتى صار سعرها مائتين وخمسة وسبعين جنيهًا في سنتنا الراهنة 2026م. أما البنزين 80، فتصاعد سعر اللتر من تسعين قرشًا إلى عشرين جنيهًا وخمسة وسبعين قرشًا، والسولار من جنيه وعشرة قروش إلى عشرين جنيهًا ونصف الجنيه.
وهكذا تطول وتمتد قائمة الغلاء لكل السلع الأساسية، في ظل أسواق تشهد سيولة وانفلاتًا غير مسبوق، وغيابًا رقابيًا عليها بلغ حالة مأساوية محبطة، دفعت ببعض أرباب الأسر إلى الانتحار أو الانفصال الأسري، تاركين أولادهم نهبًا للضياع.
وفي مغارة بعيدة، قامت خفافيش الفساد القديم بتغيير جلودها وأزيائها وخطابها، لتتقن القيام بدورها الجديد القديم، وعادت الصورة إلى قتامتها وسخريتها، وكأننا على موعد مع عرض مسرحي هزلي، بل عبثي مستمر، تتغير فيه فقط الأقنعة، بينما تبقى الشخصيات نفسها تهزأ بالمشاهدين كل ليلة وكل عصر.
وطفح الواقع السياسي أحزابًا صكت لنفسها مسمى غير مسبوق، فوسمت نفسها بأحزاب الموالاة، مما ينسف شرعيتها وبرامجها (إن كانت لها برامج)، وهو أمر يثير الشعور بالتقيؤ والغثيان، وربما لا أتجاوز الحق حينما أنعت ذلك بخيانة الضمير الوطني والاستخفاف بالجماهير.
إن تخبط الحكومات الأربع، وسيادة العشوائية، وغياب التخطيط الواعي الرشيد، الذي من شأنه أن يضع أولويات وحاجات المصريين الضرورية نصب عينيه، أمر بالغ الخطورة، فيدفع بالجماهير الغفيرة إلى حالة من اليأس والإحباط وفقدان الأمل في المستقبل، فيشكل في نهاية الأمر احتقانًا عامًا، أغلبه صامت، وقليله معلن.
إن ملفًا مثل ملف التعليم، مهما بالغت الحكومات الماضية والحالية في (مكيجته) بكل ألوان المساحيق، فإنه يزداد قبحًا على قبح، فالقائمون على إدارته يلئمون جروحه على ما بها من قيح وصديد وعفن كريه.
أما الثقافة والفن في مصرنا الغالية، فلا يخفى حالهما المتردي على أحد. إن الإعلاء من شأن التافهين والسطحيين والمبتذلين والمترخصين والأدعياء، وإقصاء الجادين من ذوي المواهب في الثقافة والفن، وحتى في البحث العلمي في أروقة الجامعات، مشهد واضح للعيان، ينضح بكل المعاني المأساوية.
ناهيك عن طوفان الاستبدال القيمي في أفضية المجتمع المصري، الذي يطغى طغيانًا لم يشهده ذلك المجتمع عبر تاريخه، الذي يضرب بجذوره في عمق التاريخ الإنساني.
إن الدولة المصرية في حاجة ملحة إلى إعادة النظر في خططها التي وصلت بنا إلى هذا المأزق العنيد، الذي يستفحل ويتفاقم يومًا بعد يوم. إننا في حاجة إلى التخطيط لحاضرنا ومستقبلنا بأسلوب مغاير لما نسير عليه في هذه اللحظة التاريخية.
فلندع كل الأساليب المستهلكة، ونفتح الباب واسعًا أمام العقول المبدعة والضمائر الوطنية المخلصة والأمينة، التي تسهر على راحة المصريين دون أدنى تمييز، وتدفع بمصر إلى القمة والريادة التي تستحقها عن جدارة بين الخلائق.