تعد الفجوة بين النص القانوني والواقع المعاش المعضلة الأساسية فى مسيرة تمكين المرأة، فبينما تكفل التشريعات والدساتير الحديثة حقوقاً وأهلية قانونية للمرأة، تفرض الأعراف الاجتماعية والثقافية سلطة موازية تعطل هذه الحقوق على أرض الواقع.
التحديات القانونية
أوضحت مها أبو عوف، الخبيرة القانونية المتخصصة في قضايا الأسرة و الأحوال الشخصية لـ “القصة” أن لجوء الأم إلى القضاء للحصول على “الولاية التعليمية” ينبع من نصوص القانون التي تمنح الأب، بصفته رب الأسرة، السلطة المطلقة في اتخاذ القرارات التعليمية.، لذا، يتعين على الأم تقديم أسباب و مسوغات قانونية للقاضي المختص، الذي يملك وحده سلطة قبول الطلب أو رفضه بناءً على تقديره للموقف.
العوائق التي تواجه الأم
كما أشارت، إلى أن رغم حصول الأم على حكم بالولاية التعليمية، والذي يمنحها الحق في اتخاذ كافة القرارات المتعلقة بالمدرسة، إلا أنها تصطدم بعقبات واقعية، أبرزها:
الأعباء المالية: تضطر الأم في كثير من الحالات إلى سداد المصروفات الدراسية من مالها الخاص أولاً، ثم الدخول في مسار قضائي طويل لمطالبة الأب باسترداد هذه المبالغ، وهو ما يمثل عبئاً إضافياً عليها.
الأزمة الاقتصادية: كما أوضحت، أن العديد من الأمهات تعاني من ضغوط اقتصادية قد تحول دون قدرتهن على الحفاظ على المستوى التعليمي للأطفال كما كان عليه قبل حدوث النزاع الأسري.
المكايدة الأسرية: كما أضافت” أبو عوف” أن بعض الآباء يلجأ إلى الامتناع المتعمد عن سداد المصروفات الدراسية كنوع من “المكايدة” تجاه الأم. وفي حال عدم قدرة الأم على السداد، يصبح حكم الولاية التعليمية مجرد إجراء شكلي لا يضمن استمرار الطفل في مسيرته الدراسية، مما يفرغ الحكم من مضمونه العملي.
تعديلات قانونية مقترحة
في ظل هذه التحديات، أشارت “أبو عوف” إلى وجود توصيات قانونية تهدف إلى إعادة صياغة مفهوم “رب الأسرة” في القانون الجديد. وتتمثل الرؤية في المساواة في الولاية، أن يتم الاعتراف بكل من الأب والأم كـ “أرباب للأسرة”، بحيث يتمتع كلاهما بحق اتخاذ القرارات الخاصة بالطفل بشكل منفرد أو مجتمعين.
اللجوء للقضاء عند الضرر
واختتمت “أبو عوف” أن الاحتكام للقضاء عند الضرر: حصر دور المحكمة في حالة وجود “خطر حقيقي” يهدد الطفل من أحد الطرفين، بحيث يلجأ الطرف الآخر للقضاء لطلب “غل يد” الطرف المؤذي عن اتخاذ القرارات، بدلاً من الوضع الحالي الذي يفرض على الأم البدء بطلب الولاية ابتداءً.
التناقض بين الولاية القانونية والولاية الفعلية
وفى سياق آخر متصل، حول إشكالية “المساواة بين الولاية القانونية والولاية الفعلية للمرأة” أوضح الدكتور سعيد صالح، الخبير في علم الاجتماع “لقصة” أن المجتمع يعاني من تناقض صارخ؛ ففي حين تعتمد ملايين الأسر المصرية على المرأة كمدير فعلي للأسرة، لا تزال هناك منظومة قانونية وثقافية تحد من صلاحياتها.
ثقافة الازدواجية
وأشار”صالح” إلى أن المجتمع يعيش حالة من الازدواجية، حيث توجد “ثقافة ذكورية” متجذرة وفي الوقت ذاته، توجد محاولات حثيثة لبناء دولة حديثة تتعامل مع التغيرات الاجتماعية، مما يخلق نوعاً من التداخل “الشيزوفريني” في التعامل مع قضايا المرأة.
بطء التغيير
كما أكد “صالح” أن التغيير الاجتماعي لا يحدث بنسبة 100% بين عشية وضحاها، بل هو عملية تدريجية، فالذكورية المتطرفة لا تزال تقف عائقاً أمام قبول فكرة استقلال المرأة أو مساواتها في القانون.
العوائق القانونية والاجتماعية
كما أوضح “صالح” أن القوانين قد تصطدم أحياناً بـ”المعقل الذكوري” المدعوم ببعض التفسيرات الاجتماعية والدينية، مما يجعل أي محاولة لتعديل القوانين “مثل قوانين الأسرة” تواجه صِداماً مجتمعياً.
التشريعات والتمييز
وأشار، إلى أن فيما يخص التمييز التشريعي، إلى وجود تناقضات قانونية تتعلق بحقوق المواطنة، مثل قوانين الجنسية التي تمنح امتيازات للرجل و تنتقص من حق المرأة في نقل جنسيتها لأبنائها، مما يعكس هيمنة النظرة الذكورية على التشريع.
المرحلة الانتقالية
وأختتم ” سعيد صالح” قائلا إن المجتمع في مرحلة انتقالية، حيث تتحرك بعض القطاعات نحو الحداثة، بينما تظل قطاعات أخرى متمسكة بموروثات تقليدية، مما يفرض على الدولة نهجاً توازنيا لاحتواء هذه الصدامات المجتمعية.
التعقيدات الإدارية والقضائية
ومن رؤية قانونية، قال أحمد عوض، المحامي، أن إشكالية الولاية التعليمية وتنفيذها إدارياً تتلخص المشكلة في أن الولاية التعليمية، رغم كونها حقاً أصيلاً للحاضنة بموجب القانون والقرارات الوزارية، إلا أن الواقع العملي يفرض عليها تعقيدات إدارية وقضائية غير مبررة
المشكلة في التنفيذ وليس القانون
وأوضح “عوض” فى تصريحات خاصة لـ “لقصة” أن جوهر المشكلة يكمن في الخلل في التنفيذ لا في القانون وفي الوضع القانوني، فوفقاً للقرار الوزاري رقم 29 لسنة 2017، تؤول الولاية التعليمية للحاضنة بقوة القانون بمجرد وقوع الطلاق، ولا يتطلب الأمر اتخاذ إجراءات قضائية، كما يعد رفض الإدارات التعليمية تنفيذ الكتاب الدوري للوزير، عقبة إدارية، إذ تتعنت في اشتراط تقديم “حكم قضائي” (أمر على عريضة) من محكمة الأسرة، وهو ما يخالف نص القانون.
الضغط النفسي والمادي والصدام غير الضروري
كما اشار، إلى أن تداعيات التعنت الإداري يؤدي إهدار الوقت والجهد حيث تضطر الحاضنة لرفع دعوى قضائية، وسداد رسوم و أتعاب محاماة، رغم عدم وجود خصومة قانونية تستدعي ذلك، مما يترتب على ذلك يحدث ضغط نفسي و مادي وهو تعريض الأطفال لبيئة المحاكم، وإصرار بعض الإدارات على تقديم حكم حديث (لم يمر على صدوره 30 يوماً)، مما يدخل الحاضنة في دائرة مفرغة من التقاضي المتكرر، وأيضاً يحدث صدام غير ضروري مما يترتب عليه خلق فجوة من الصراع بين الأب و الحاضنة بسبب الإجراءات الإدارية المعقدة، بدلاً من
تفعيل الدور الرقابي للنيابة الإدارية
كما أوضح “عوض” أنه من الضروري أن يكون هناك رؤية للحل وتطوير الإجراءات بأن يحدث تفعيل رقابي من خلال تفعيل دور النيابة الإدارية في الرقابة على موظفي الإدارات التعليمية، وتطبيق المادة 123 من قانون العقوبات على كل من يمتنع عن تنفيذ القوانين والقرارات الوزارية المنظمة، مما يعد جريمة جنائية، وأيضاً إرشاد الموظفين ضرورة عبر إصدار تعليمات واضحة وصارمة من الوزارة للإدارات التعليمية بضرورة الالتزام بالكتاب الدوري، وتدريب الموظفين والشؤون القانونية على فهم وتطبيق القانون بدلاً من التحجج بنقص الخبرة أو الخوف من المواجهة.
مقترح مستقبلي
“كما أقترح” عوض” تسليط الضوء على معاناة الأمهات الحاضنات غير القادرات مع عبء سداد المصاريف الدراسية مسبقاً لمقاضاة الآباء لاحقاً لردها، والمطالبة بتشريع يُلزم الأب بالسداد مباشرة للمدرسة قبل بدء العام الدراسي؛ لتحمل الجهات المؤسسية عبء الملاحقة المالية بدلاً من الأم، حماية لحق الطفل في التعليم و تخفيفاً للضغط عن المحاكم.
عدم تنفيذ الولاية القانونية فعلياً
واختتم “عوض” حديثه قائلاً بسبب تعرض المرأة أو الحاضنة للتناقض بين الولاية القانونية والولاية الفعلية أب برغم وجود حكم قانونى للحاضنة بالولاية القانونية فإن هناك عدم تنفيذ لهذا القانون فعلياً ولذلك يتم حالياً إعداد شكوى للنيابة الإدارية ضد الإدارات التعليمية لامتناعها عن تنفيذ القرارات الوزارية، وسيتم إرفاق النصوص القانونية والمواد المنظمة لدعم هذا التوجه.