بينما كانت صواريخ القبة الحديدية تنطلق من “مرابضها السرية” في صحراء الإمارات لتعترض مسيرات إيرانية، لم تكن تلك الصواريخ تسقط أهدافاً جوية فحسب، بل كانت تسقط معها أوراق التوت عن طبيعة التحالف العسكري الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء.
حسب موقع “أكسيوس”، نشر قوات إسرائيلية ومنظومات دفاعية في قلب الخليج لم يكن مجرد خبر عسكري، بل هو “زلزال جيوسياسي” يعيد تعريف العدو والصديق في منطقة لا تنام فوق برميل بارود، بل فوق محيط من التناقضات.
استبدال الجغرافيا بالتكنولوجيا
يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن هذا التطور ليس وليد اللحظة، بل هو تتويج لمسار بدأ منذ “الاتفاقات الإبراهيمية” ويؤكد ربيع لـ”القصة” أن الإمارات ارتكبت “مقامرة كبرى” حين استبدلت عدواً وهمياً إيران بعدو حقيقي و وجودي إسرائيل، موضحاً أن أبوظبي باتت ترى الخطر الإيراني أكبر من الخطر الإسرائيلي، وهو ما دفعها لوضع يدها في يد “المستعمر” في مواجهة “الجار”.
ويضيف ربيع: “إيران على بعد كيلومترات معدودة من الإمارات، وهي دولة باقية بحكم الجغرافيا والتاريخ والحضارة، بينما إسرائيل كيان طارئ وجوده مشكوك في شرعيته و زواله مسألة وقت”، هذا الانفصام عن الواقع الجغرافي جعل الإمارات تسقط في فخ “الفزاعة الإيرانية” التي تنصبها واشنطن وتل أبيب لاستنزاف موارد الخليج.
كواليس “الإنزال” الإسرائيلي..القوات على الأرض
ما كشفه “أكسيوس” يتجاوز فكرة شراء السلاح، فنحن نتحدث عن عشرات المشغلين من الجيش الإسرائيلي بملابسهم الرسمية و عقيدتهم العسكرية يتواجدون داخل قواعد إماراتية، هذا “التعاون العسكري الفج” يمثل، بحسب ما قال ربيع، اختراقاً صهيونياً كاملاً للمنظومة العربية.
مشيراً إلى أن نتنياهو الذي أمر بإرسال البطارية في وقت كانت فيه إسرائيل تحت القصف، لم يفعل ذلك “كرمى لعيون أبوظبي”، بل لترسيخ دور إسرائيل كـ “درع وحيد” للمنطقة، مما يمنحها شرعية الوجود من خلال “الحماية”، وهنا يتساءل ربيع: “لو أنفقت الإمارات عشر ما أنفقته على هذه المنظومات لاستيعاب واحتواء إيران، هل كان حال الأمن القومي العربي سيكون هكذا؟”.
ضرب الأمن القومي السعودي والعربي
يرى خبير مركز الأهرام أن هذه الخيارات الإماراتية ليست “شأناً داخلياً”، بل هي “خيارات مضادة للأمن القومي العربي والخليجي” ككل، وأن هذا المحور الصهيوني – الإماراتي يمثل ضغطاً مباشراً على ثوابت الدولة العربية السعودية، التي تدرك تماماً أن إسرائيل هي العدو الأساسي.
ويكشف ربيع عن وجود وعي سعودي يحاول الالتفاف على هذا “الاختراق” من خلال تعزيز محاور بديلة باكستان، تركيا، مصر، في محاولة لموازنة الكفة ومنع الانفراد الصهيوني بالقرار الخليجي، فالتنسيق العسكري الإماراتي الإسرائيلي الذي شمل ضربات استباقية داخل العمق الإيراني انطلاقاً من قواعد قريبة، يجعل المنطقة بأكملها في حالة “التهاب دائم”.
الإمارات كـ “وسيط للاختراق” الصهيوني
يمتد الخطر، وفقاً لما أضافه ربيع، ليشمل دور الإمارات كذراع للاختراق الصهيوني في ملفات إقليمية أخرى:
في ليبيا والسودان: حيث تتقاطع المصالح الإماراتية مع الرغبة الإسرائيلية في إضعاف جيوش المنطقة.
في إثيوبيا وسد النهضة: حيث يبرز التساؤل حول مدى تأثير هذا التحالف على الأمن المائي المصري.
هذا التنسيق يجعل الإمارات، عن قصد أو غير قصد، بمثابة “حصان طروادة” الذي يمرر المصالح الصهيونية إلى العمق الأفريقي والعربي.
استنزاف “الكاش” مقابل “وهم الأمان”
ويقول ربيع أنه تأتي صفقات السلاح والقواعد العسكرية ومنظومات الأمن لتشكل رحلة استنزاف لموارد الإمارات، فالوجود الإسرائيلي ليس مجانياً، والثمن ليس فقط مالياً، بل هو “ارتهان سياسي” كامل، فإسرائيل التي لا تملك “عمقاً جغرافياً” وجدت في الإمارات “عمقاً استراتيجياً” مجانياً، بينما ظلت الإمارات مكشوفة أمام جار إيران، يستطيع “إسعافها” أو “تدميرها” في دقائق، مقارنة بإسرائيل البعيدة.
مستقبل الخليج.. هل تنتقل العدوى؟
رغم الضغوط، يستبعد الخبير عمرو هاشم ربيع أن يمتد هذا التعاون ليشمل دولاً خليجية أخرى في الوقت الحالي. ويؤكد لـ “القصة” أن هناك إدراكاً متزايداً بأن إسرائيل “ليست بقية في المنطقة”، وأن المراهنة عليها هي مراهنة على “جواد خاسر”.
مستكملاً بأن الوعي السعودي، والتحفظ الكويتي، والمناورة العمانية، كلها كوابح تمنع تحويل الخليج إلى “بحيرة إسرائيلية” ومع ذلك، يظل “الانفراد الإماراتي” غصة في جسد العمل العربي المشترك، و تهديداً لفرص الاستقرار الحقيقي القائم على “الاحتواء الإقليمي” بدلاً من “الاستقواء بالمحتل”.
هل انتهى زمن “العروبة العسكرية”؟
في نهاية المطاف، لن تحمي “صواريخ تامير” الإسرائيلية ناطحات السحاب في دبي إذا ما قررت الجغرافيا أن تنتقم لنفسها.
إن الارتهان لـ “عدو وهمي” والاستقواء بـ “عدو حقيقي” هو الصيغة المثالية لدمار المنطقة واستنزاف ثرواتها، وكما يخلص خبير مركز الأهرام، فإن الجار إيران سيبقى، و المحتل إسرائيل سيرحل، وبين رحيل هذا وبقاء ذاك، يظل السؤال: أين ستجد الإمارات نفسها في خارطة اليوم التالي؟